يشكل توقيع أعضاء لجنة الحوار المصغرة “4+4” بالأحرف الأولى على مسودة اتفاق القوانين الانتخابية وإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في تونس تحولاً مفصلياً في مسار الأزمة الليبية. ورغم إعلان بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا اختتام المفاوضات الإجرائية، فإن هذا التوافق الأولي يرحّل الأزمة من مربع الخلاف التقني حول صياغة النصوص إلى مضمار أشد ضراوة: الصراع على الصلاحيات، وفجوة المشروعية بين اللجنة التفاوضية والمؤسسات القائمة.
فجوة التفويض ومأزق الشرعية الدستورية
تضع مخرجات تونس العملية السياسية أمام إشكاليات قانونية وسياسية حادة تحدد مدى قابليتها للتنفيذ:
تفاهم سياسي بلا غطاء نافذ: يفتقر التوقيع بالأحرف الأولى إلى الحجية القانونية الملزمة، إذ يظل مجرد مسودة توافقية تنتظر اعتماد الجهات التشريعية والتنفيذية ذات الاختصاص.
تحفظات المؤسسات المركزية: أبدى المجلس الأعلى للدولة تحفظه لعدم الاطلاع الرسمي على نص الاتفاق وتعديلات قوانين الانتخابات، مشدداً على رفض تحويل الآليات التيسيرية إلى بديل عن المؤسسات النافذة. كما ينظر أعضاء في مجلس النواب بكتلة من التشكيك إلى آلية اختيار ممثلي اللجنة ومدى تمثيلهم للإرادة التشريعية.
تحذيرات المجلس الرئاسي: جاء انتقاد رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي للغموض والترتيبات الشكلية ليعكس المخاوف من إعادة إنتاج المحاصصة وتدوير الأزمة دون سند دستوري متين يقاوم الطعون القضائية.

الانتقال المحفوف بالمخاطر: من القوانين إلى إدارة السلطة
إن اختزال الأزمة في تعديل التشريعات أو إعادة تشكيل الهيئة المشرفة على الانتخابات يغفل المعضلة الأكبر في المشهد الليبي، وهي السلطة التنفيذية. فحتى في حال استكمال الترتيبات الفنية، سينتقل الخلاف فوراً إلى ملف تشكيل الحكومة الموحدة التي ستشرف على مرحلة الانتقال؛ حيث تتصارع القوى الرئيسية على أدوات الإدارة، وحجم الإنفاق، وتأمين المراكز الميدانية.
سيناريوهات المسار المرتقب
سيناريو الاعتماد والاحتواء: أن تنجح البعثة الأممية عبر اجتماعات مرتقبة داخل ليبيا في إقناع مجلسي النواب والدولة بإقرار الاتفاق ورعايته رسمياً للعبور نحو الترتيبات التنفيذية.
سيناريو الانتكاسة والطعن: أن تستمر المؤسسات السيادية في التمسك باختصاصاتها الحصرية، مما يحول مسودة “4+4” إلى وثيقة سياسية جديدة تنضم إلى سابقاتها في أرشيف المبادرات المجهضة.
لن يُقاس نجاح مسار “4+4” بلحظة التوقيع في تونس، بل بقدرة الأطراف على تحويل التوافق السياسي المصغر إلى التزام مؤسسي وقانوني متكامل يمنع دخول البلاد في جولة جديدة من نزاع المشروعية.




