بعد أكثر من أربع سنوات على اندلاع الحرب في أوكرانيا، تتزايد شهادات جنود روس سابقين اختاروا الفرار من الخدمة العسكرية، في مسار يسلط الضوء على جانب مختلف من الحرب بعيدا عن الخطاب الرسمي في موسكو.
لم يعد الرفض يقتصر على أصوات معارضة للحرب داخل المجتمع الروسي، بل وصل أيضا إلى بعض الجنود الذين وجدوا أنفسهم على خطوط القتال ثم قرروا مغادرة الجيش، رغم المخاطر القانونية والأمنية التي تترتب على ذلك.
إيغور ودانيل اسمان مستعاران لجنديين روسيين سابقين تحدثا إلى هيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية (RTS) عن تجربتهما، وكيف قادتهما ظروف مختلفة إلى الجيش ثم إلى قرار الفرار منه.
المال قاد دانيل إلى الجيش
كان دانيل في التاسعة عشرة عندما اتخذ قرار الانضمام إلى الجيش الروسي. لم يكن الدافع بالنسبة إليه أيديولوجيا أو وطنيا، وإنما ظروف عائلية صعبة.
كانت أسرته بحاجة إلى المال لمساعدة شقيقه الأصغر على إجراء عملية جراحية، ولذلك وقع عقدا مع الجيش قبل نحو عام.
يقول دانيل إنه لم يكن يتوقع أن ينتهي به الأمر في أوكرانيا، موضحا أنه كان يعتقد أن خدمته ستكون داخل روسيا أو في منطقة بعيدة عن القتال.
لكن الواقع كان مختلفا. فقد أُرسل في النهاية إلى وحدة هجومية في أوكرانيا، وهناك وجد نفسه أمام حرب لم يكن مستعدا لها.
يقول الجندي السابق إن ما عاشه على الجبهة كان مختلفا تماما عن الصورة التي رسمت له عند التجنيد، وإن الخوف والإرهاق أصبحا جزءا من الحياة اليومية للجنود.
“الجميع يريد أن تنتهي الحرب”
تكشف شهادة دانيل عن فجوة بين الخطاب السياسي في موسكو وما يقوله عن المزاج داخل بعض الوحدات العسكرية.
فبحسب روايته، لا يرى في الجبهة حماسا كبيرا للقتال، بل يقول إن الجنود الذين التقى بهم كانوا يأملون في انتهاء الحرب.
ويصف وضعا يسوده الخوف المستمر من الطائرات المسيّرة ومن الموت، إلى جانب الضغوط التي يتعرض لها الجنود لتنفيذ الأوامر.
ويقول إن المال يمثل بالنسبة إلى كثيرين أحد أهم دوافع الاستمرار في الجيش، بينما يخشى آخرون من عواقب رفض الأوامر أو عدم تنفيذ المهام المطلوبة منهم.
ولا تعني هذه الشهادة بالضرورة أنها تمثل موقف جميع الجنود الروس، لكنها تقدم صورة مختلفة عن الرواية الرسمية التي تقدم الحرب باعتبارها قضية وطنية تحظى بالتأييد.
نقص الجنود يضغط على الجيش
تأتي هذه الشهادات في وقت تواجه فيه القوات الروسية تحديا مستمرا يتمثل في الحفاظ على أعداد كافية من الجنود.
ومنذ بداية الحرب، اعتمدت موسكو على مجموعة من الوسائل لتعويض الخسائر البشرية، بينها الحوافز المالية الكبيرة للعقود العسكرية، إلى جانب حملات التجنيد واستقطاب فئات مختلفة من المجتمع.
كما لعب تجنيد السجناء دورا في مراحل من الحرب، قبل أن تتغير آليات الاستقطاب مع مرور الوقت.
ويشير هذا الواقع إلى أن استمرار الحرب لا يرتبط فقط بالقدرة العسكرية والتسليح، وإنما أيضا بقدرة الدولة الروسية على توفير العدد الكافي من الأفراد المستعدين للقتال.
إيغور.. قرار الفرار قبل الجبهة
أما إيغور، فقصته بدأت قبل ذلك.
كان يؤدي خدمته العسكرية عندما اندلعت الحرب، لكنه قرر في عام 2024 الفرار قبل إرساله إلى الجبهة.
ويقول إن القرار بالنسبة إليه كان لحظة فاصلة: إما أن يغادر الجيش أو يجد نفسه في أوكرانيا.
ويختصر إيغور موقفه بالقول إنه لم يكن يريد قتل أحد، كما لم يكن يريد أن يُقتل.
بعد ذلك، سلك طريقا معقدا للخروج من روسيا، مر عبر بيلاروسيا وأرمينيا، قبل أن يصل في نهاية المطاف إلى فرنسا، بمساعدة شبكات مجهولة على تطبيق تيليغرام يديرها جنود روس سابقون يعيشون خارج البلاد.
وتحولت هذه الشبكات، بالنسبة إلى إيغور، من وسيلة للهرب إلى أداة لمساعدة آخرين على مغادرة الجيش.
شبكات لمساعدة الفارين
يقول إيغور إن الهدف من هذه الشبكات هو مساعدة أكبر عدد ممكن من الجنود الروس على مغادرة الخدمة قبل إرسالهم إلى القتال.
ومن وجهة نظره، فإن تقليص عدد الجنود المستعدين للذهاب إلى الجبهة يمكن أن يشكل وسيلة للضغط على القدرة العسكرية الروسية.
لكن هذه المهمة ليست سهلة، إذ يواجه الفارون من الجيش الروسي مخاطر قانونية وأمنية، كما أن الوصول إلى دولة مستعدة لاستقبالهم لا يكون مضمونا دائما.
ويصبح الأمر أكثر تعقيدا بالنسبة إلى الجنود الذين خدموا بالفعل في أوكرانيا، إذ قد يخشون الملاحقة القانونية أو الكشف عن هويتهم أو إعادتهم إلى روسيا.
من جورجيا والقرم إلى حرب أوكرانيا
لا يرى إيغور أن موقفه من الحرب جاء نتيجة رفض شامل لكل السياسات الخارجية لبوتين.
ويقول إن المجتمع الروسي سبق أن تقبل أو تغاضى عن تدخلات سابقة، لكنه يعتبر الحرب الحالية مختلفة.
ويعتقد أن استمرار الحرب يمكن أن يؤدي تدريجيا إلى تغيير موقف المجتمع الروسي، خصوصا مع ارتفاع كلفتها البشرية والاقتصادية.
ومن هنا يركز نشاطه الحالي على التواصل مع الجنود أنفسهم، باعتبارهم الحلقة التي يمكن أن تتأثر مباشرة بالحرب.
هل يمكن للجنود أن يصبحوا عامل ضغط؟
تكشف قصة إيغور ودانيل عن سؤال أوسع يتعلق بمستقبل الحرب: إلى أي مدى يمكن أن يتحول التعب داخل الجيش والمجتمع الروسي إلى عامل ضغط على القيادة السياسية؟
حتى الآن، تمكنت موسكو من الحفاظ على قدرتها على التجنيد وتعويض جزء من خسائرها، كما أن الحرب لم تؤد إلى انهيار داخلي يدفع الكرملين إلى تغيير مساره.
لكن استمرار الحرب يعني استمرار الحاجة إلى الجنود، واستمرار الضغط على المجتمع لتوفيرهم.
وفي المقابل، فإن كل جندي يرفض القتال أو يفر من الخدمة يمثل حالة فردية، لكن تراكم هذه الحالات يمكن أن يتحول إلى مشكلة أوسع إذا أصبح الرفض أكثر انتشارا.
حرب طويلة ومجتمع متعب
بعد أكثر من أربع سنوات على بداية الحرب، تبدو روسيا أمام معادلة معقدة: الدولة ما تزال قادرة على مواصلة القتال، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن جميع من يشاركون فيها مقتنعون بأهدافها.
تكشف شهادات الفارين عن جانب من الحرب لا يظهر في البيانات العسكرية ولا في الخطب السياسية: جنود يخافون، وآخرون يريدون العودة إلى حياتهم، وشباب دخلوا الجيش لأسباب مالية فوجدوا أنفسهم في واحدة من أكثر الحروب دموية في أوروبا منذ عقود.
وبالنسبة إلى إيغور، فإن المعركة الحقيقية قد لا تكون على الجبهة وحدها، وإنما داخل المجتمع الروسي نفسه.
فكلما طال أمد الحرب، يصبح السؤال أقل ارتباطا بما إذا كانت روسيا قادرة على مواصلة القتال، وأكثر ارتباطا بقدرتها على إبقاء المجتمع والجيش مستعدين لدفع كلفة حرب لا يبدو أن نهايتها قريبة.





