بعد ثلاث سنوات من الحرب، لم يعد تقييم مكانة حماس في غزة مسألة تتعلق بحجم التأييد الذي تحظى به فحسب، بل بمدى ثقة السكان في قراراتها وقدرتها على إدارة المرحلة المقبلة. غير أن الإجابة ليست سهلة؛ فالحرب التي غيّرت حياة الغزيين وعمّقت معاناتهم جعلت التعبير عن المواقف أكثر تعقيدًا، فيما لا يكشف الصمت وحده حقيقة ما يعتقده الناس.
تقدم نتائج استطلاع أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية بين 7 و11 أكتوبر 2026 مؤشرات على تغير اتجاهات الرأي العام. فقد بلغت نسبة التأييد الحزبي لحماس بين الفلسطينيين 19%، مقابل 24% في أغسطس الماضي و35% في أغسطس 2025. وفي قطاع غزة، تراجعت النسبة إلى 27%، مقارنة بـ33% في أغسطس 2026 و41% في أكتوبر 2025. وتشير هذه الأرقام إلى انخفاض ملموس في التأييد المعلن للحركة، لكنها لا تعني اختفاء قاعدتها الاجتماعية أو أن الغزيين يتبنون موقفًا موحدًا منها.
ويتضح التحول أكثر عند النظر إلى تقييم نتائج الحرب. فقد رأى 16% من المستجيبين أن حماس خرجت منتصرة، مقابل 39% في أكتوبر 2025، بينما اعتقد 62% أن أيًا من الطرفين لم ينتصر. ولا تقيس هذه النتائج شعبية الحركة مباشرة، لكنها تكشف تراجعًا في تقدير الجمهور لنتيجة المواجهة، وهو عامل مهم في تقييم قرارات القيادة وجدوى خياراتها السياسية والعسكرية.
ومع ذلك، فإن الموقف من حماس لا ينفصل عن قضايا أخرى، لكنه لا يتطابق معها بالضرورة. فقد يرفض الفلسطيني الاحتلال ويتمسك بحق المقاومة، وفي الوقت نفسه ينتقد قرارات الحركة أو يشكك في حساباتها. وقد يحمّل إسرائيل المسؤولية الأساسية عن الدمار، من دون أن يعفي القيادة الفلسطينية من المساءلة. لذلك، لا يصح اعتبار انتقاد حماس رفضًا للمقاومة، كما لا يصح تفسير تأييد المقاومة باعتباره تفويضًا مفتوحًا للحركة.
لقد تركت الحرب خسائر بشرية واسعة، ودمارًا في المنازل والبنية التحتية، ونزوحًا متكررًا، وتدهورًا حادًا في ظروف المعيشة. ومن الطبيعي أن تدفع هذه التجربة قطاعات من السكان إلى مراجعة مواقفها من القوى التي حكمت القطاع وشاركت في رسم مساره. لكن حجم المعاناة لا يكفي وحده لتحديد الجهة التي يحملها كل فرد المسؤولية، ولا يثبت أن المتضررين جميعًا توصلوا إلى النتيجة السياسية نفسها.
ويظل الخوف عاملًا ينبغي أخذه في الاعتبار عند قراءة اتجاهات الرأي العام. ففي ظروف الحرب وانعدام الأمان، قد يتردد بعض السكان في الإفصاح عن مواقفهم، لكن لا توجد قاعدة تسمح باعتبار كل صامت معارضًا، أو كل مؤيد خائفًا من إعلان موقفه الحقيقي. ولهذا، تبقى الاستطلاعات المتكررة والمستقلة، التي تميز بين الموقف من حماس وقيادتها والموقف من المقاومة ومستقبل الحكم، أكثر فائدة من الاستنتاجات المبنية على مشاهد أو شهادات فردية.
ولا تقتصر المؤشرات على تراجع التأييد لحماس، بل تكشف أيضًا بحثًا عن بدائل سياسية. فقد أبدى 56% من المستجيبين استعدادهم للتصويت لقائمة مستقلة جديدة تضم شخصيات مهنية واقتصادية ووطنية. كما أعرب 60% من المشاركين في غزة عن ثقتهم باللجنة الوطنية المقترحة لإدارة القطاع، مقابل 29% في الضفة الغربية. ولا تثبت هذه النتائج أن البديل المقترح حسم موقعه أو أنه قادر على إدارة غزة، لكنها تشير إلى وجود اهتمام بصيغة حكم مختلفة عن الانقسام الفصائلي القائم.
غير أن أي تغيير سياسي سيظل مرتبطًا بمصير الترتيبات التي أعقبت وقف إطلاق النار. فقد أشار تقرير مكتب المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط، الصادر في سبتمبر 2026، إلى هشاشة الهدنة واستمرار التحديات الأمنية والإنسانية، في ظل تعثر ترتيبات المرحلة الانتقالية وعدم بدء اللجنة الوطنية مهامها داخل القطاع، وبقاء جهود التعافي دون المستوى المطلوب.
ويضع هذا الواقع حماس أمام أسئلة تتجاوز حجم شعبيتها: ما موقعها في مستقبل الحكم؟ وكيف ستتعامل مع ترتيبات نزع السلاح؟ وهل تقبل بصيغة سياسية تتيح المساءلة وتمنح المؤسسات الفلسطينية دورًا فعليًا في إدارة القطاع؟ وفي المقابل، لن تكون أي ترتيبات قابلة للاستمرار إذا اقتصرت على المسائل الأمنية، من دون انسحاب إسرائيلي واضح وإعمار فعلي وتحسن ملموس في حياة السكان.
فالسيطرة على الأرض لا تعني بالضرورة وجود قبول شعبي واسع، كما أن تراجع التأييد لا يعني تلقائيًا انتهاء قدرة الحركة على التأثير. وبين الأمرين تقع مسألة الشرعية: قدرة أي قيادة على تمثيل الناس، والخضوع للمساءلة، وإتاحة المجال أمامهم لاختيار من يحكمهم.
تشير الأرقام، إذن، إلى تراجع التأييد المعلن لحماس وانخفاض الثقة في حصيلة الحرب، لكنها لا تثبت أن الحركة فقدت كل قبول اجتماعي، ولا تكشف وحدها ما قد يخفيه الصمت. أما الاختبار الأهم، فيتعلق بما إذا كانت المرحلة المقبلة ستتيح للفلسطينيين حياة أكثر أمنًا، وإدارة قابلة للمساءلة، وخيارات سياسية حقيقية. عندها يصبح من الممكن قياس الثقة والشرعية بعيدًا عن ضغوط الحرب، وبالاستناد إلى مواقف يستطيع الناس التعبير عنها بحرية.






