يشكل اغتيال عز الدين الحداد، القائد البارز في الجناح العسكري لحركة حماس، تطورًا في مسار الحرب الدائرة في قطاع غزة، ليس فقط من الناحية الأمنية والعسكرية، بل أيضًا على مستوى الحسابات السياسية المرتبطة بمستقبل القطاع وإعادة إعماره، لأن الحداد لم يكن مجرد قائد ميداني داخل “كتائب القسام”، بل كان أحد أبرز الوجوه المؤثرة في بنية القرار العسكري للحركة، وارتبط اسمه خلال السنوات الأخيرة بإدارة العمليات الميدانية وتعزيز البنية القتالية لحماس، الأمر الذي جعله هدفًا دائمًا لإسرائيل، خاصة بعد أحداث السابع من أكتوبر وما تبعها من حرب مدمرة على غزة.
عملية الاغتيال جاءت في توقيت بالغ الحساسية، بالتزامن مع تصاعد الحديث إقليميًا ودوليًا، وإمكانية الانتقال إلى مرحلة مختلفة تقوم على إعادة إعمار القطاع، وطرح تصورات جديدة لإدارته أمنيًا وسياسيًا، ولكن بعض الأطراف تنظر إلى اغتيال “الحداد” باعتباره محاولة لإزالة إحدى الشخصيات التي كانت تمثل، من وجهة نظر إسرائيل وحلفائها، عقبة أمام أي مساعي نزع سلاح الفصائل المسلحة أو إعادة تشكيل الواقع السياسي في غزة.
طوال سنوات، تمكنت حماس من ترسيخ حضورها العسكري داخل القطاع، وربطت أي ترتيبات سياسية أو إنسانية بمعادلات القوة التي فرضتها على الأرض، حيث لعب “الحداد” دورًا محوريًا في الحفاظ على تماسك البنية العسكرية للحركة، كما كان يُنظر إليه باعتباره من أكثر القادة تشددًا في ما يتعلق بملف السلاح والقدرات القتالية، وغيابه بعد عملية اغتياله، قد يفتح الباب أمام تغيرات داخلية في آلية إدارة الحركة لأولوياتها، خاصة إذا ترافق ذلك مع ضغوط سياسية واقتصادية وأمنية متزايدة.
ورغم أهمية الحدث، فإن الرهان على أن اغتيال شخصية قيادية سيؤدي تلقائيًا إلى انهيار نفوذ حماس أو إنهاء حضورها في غزة قد يكون مبالغًا فيه، لأن التجارب السابقة أظهرت أن الحركة استطاعت، رغم سلسلة طويلة من الاغتيالات التي طالت كبار قادتها، إعادة إنتاج هياكلها التنظيمية والعسكرية، والحفاظ على قدر من الفاعلية والقدرة على التأثير، بالإضافة إلى أن البيئة السياسية والأمنية المعقدة في غزة تجعل أي حديث عن مرحلة ما بعد حماس أو نزع سلاحها أكثر تعقيدًا من مجرد استهداف قائد عسكري، مهما كانت مكانته.
ولا يمكن تجاهل أن استمرار الحرب والانهيار الإنساني الواسع، خلق حالة من الإرهاق داخل المجتمع، وأعادا طرح أسئلة حول مستقبل القطاع وأولويات سكانه، لأنه بعد سنوات من الحصار والجولات العسكرية المتكررة، باتت الحاجة إلى الاستقرار وإعادة الإعمار مطلبًا ملحًا لدى قطاعات واسعة من السكان الذين يعيشون أوضاعًا كارثية على المستويات الإنسانية والاقتصادية والخدمية، لذلك أي تطور يفتح المجال أمام تهدئة طويلة أو يزيل عقبات تعطل مشاريع الإعمار سيحظى باهتمام داخلي وإقليمي كبير.
كما أن نجاح أي مسار لإعادة إعمار غزة، لن يتوقف فقط على إضعاف حماس أو استهداف قادتها، بل يتطلب وجود رؤية سياسية شاملة تعالج جذور الأزمة، وتوفر إطارًا واضحًا للإدارة والأمن والتمويل وإعادة بناء المؤسسات، لأن إعادة الإعمار ليست مجرد عملية هندسية أو اقتصادية، بل هي مسار سياسي معقد يحتاج إلى توافقات إقليمية ودولية، وضمانات تحول دون عودة المواجهات مجددًا.
من المؤكد أن اغتيال عز الدين الحداد، تعد محطة مؤثرة في الصراع، لأن القطاع يقف أمام مفترق طرق حقيقي، بين استمرار دوامة الحرب والانهيار، أو الدخول في مرحلة جديدة عنوانها إعادة البناء والاستقرار، وهي مرحلة ليست سهلة وتتطلب جهود كبيرة من الأطراف المعنية، للوصول إلى حلول أكثر استدامة.




