عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليصعّد لهجته تجاه إيران، داعيًا طهران إلى “التعامل بجدية وبسرعة قبل فوات الأوان”. تصريح لا يمكن فصله عن سياق ميداني متوتر، ولا عن مسار تفاوضي غامض يتحرك في الظل، حيث تختلط الرسائل السياسية بالإشارات العسكرية، ويصبح كل تحرك محسوبًا بدقة.
في المقابل، لم تتأخر طهران في الرد، ولكن بأسلوبها المعتاد: رسائل غير مباشرة، وتسريبات إعلامية مدروسة، وإشارات توحي بالانخراط دون إعلان صريح عن التفاوض.
دبلوماسية الظل: رسائل عبر الوسطاء بدل طاولة المفاوضات
رغم غياب أي إعلان رسمي عن مفاوضات مباشرة، تؤكد مصادر متعددة أن قنوات الاتصال لم تنقطع. فقد نقلت وسائل إعلام إيرانية أن رد طهران على خطة أمريكية من 15 بندًا تم تسليمه عبر وسطاء، في خطوة تعكس استمرار ما يمكن وصفه بـ”دبلوماسية الظل”.
ويبرز هنا دور إسحاق دار، الذي أعلن أن بلاده تضطلع بدور الوسيط الرئيسي، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع الطرفين. كما أشار إلى دعم إقليمي من دول مثل تركيا ومصر، ما يعكس اتساع دائرة القلق من تداعيات الصراع.
هذا النمط من التفاوض غير المباشر ليس جديدًا، لكنه هذه المرة يجري تحت ضغط عسكري واقتصادي غير مسبوق، ما يجعل هامش المناورة أضيق من أي وقت مضى.
مضيق هرمز: ورقة الطاقة في قلب المعركة
في مؤشر لافت، أعلنت طهران السماح بمرور عشر ناقلات نفط عبر مضيق هرمز، بعد أسابيع من تعطيله فعليًا. هذه الخطوة، رغم محدوديتها، تحمل دلالات عميقة.
فالمضيق الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات الطاقة العالمية، لم يعد مجرد ممر بحري، بل تحول إلى أداة ضغط استراتيجية بيد إيران. والسماح الجزئي بمرور الناقلات يمكن قراءته كـ”إشارة حسن نية مشروطة”، أو كرسالة مفادها أن طهران قادرة على التصعيد كما التهدئة.
ترامب بين التهديد والإغراء: استراتيجية مزدوجة
يعتمد دونالد ترامب على خطاب متقلب يجمع بين الترهيب والترغيب. فمن جهة، لوّح بـ”الجحيم” في حال فشل المحادثات، ومن جهة أخرى تحدث عن مؤشرات إيجابية لاتفاق محتمل، نقلها مبعوثه ستيف ويتكوف.
هذا التناقض الظاهري يعكس، في الواقع، استراتيجية ضغط قصوى تهدف إلى دفع طهران نحو تنازلات سريعة، مستفيدة من عامل الوقت ومن الضغوط الاقتصادية المتراكمة.
غير أن هذه المقاربة تواجه انتقادات داخل مراكز التفكير الأمريكية، التي تحذر من سوء تقدير توازنات السلطة داخل إيران، حيث لا تزال التيارات المتشددة تمسك بمفاصل القرار.
الخليج يدخل على خط التفاوض: أمن الطاقة أولاً
لم تعد الأزمة شأنًا ثنائيًا بين واشنطن وطهران. فقد طلبت دول مجلس التعاون الخليجي المشاركة في أي ترتيبات تفاوضية، في محاولة لحماية مصالحها الحيوية، خصوصًا في مجال الطاقة.
وأكد جاسم البدوي أن دول الخليج تسعى إلى “تعزيز الأمن والاستقرار”، وهي عبارة دبلوماسية تخفي قلقًا حقيقيًا من أن تتحول أراضيها ومنشآتها النفطية إلى ساحة تصفية حسابات.
إسرائيل في الظل: ضربات نوعية واستراتيجية الاستنزاف
بينما تنشغل الأنظار بالتصريحات الأمريكية والإيرانية، تواصل إسرائيل تنفيذ عمليات عسكرية دقيقة تستهدف ما تصفه بـ”البنية الصلبة” للنفوذ الإيراني.
وكان اغتيال القائد البحري في الحرس الثوري، علي رضا تنكسيري، أبرز هذه العمليات، حيث اعتبره وزير الدفاع إسرائيل كاتس مسؤولًا عن تهديد الملاحة في مضيق هرمز.
هذه الاستراتيجية، التي تقوم على “قطع الرأس” بدل المواجهة الشاملة، تهدف إلى إضعاف القدرات الإيرانية دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة.
جبهات مشتعلة: من أصفهان إلى تل أبيب
على الأرض، لا تزال الحرب تفرض إيقاعها. فقد أعلنت إسرائيل تنفيذ ضربات واسعة في مناطق إيرانية، بينها أصفهان، بينما تعرضت مدن إسرائيلية لهجمات صاروخية متكررة.
وشهدت مدن مثل تل أبيب والقدس حالة استنفار متواصل، مع تفعيل أنظمة الإنذار ورصد موجات صاروخية متعددة.
وفي مشهد يعكس طبيعة الحرب الحديثة، وثّقت صور أضرارًا ناجمة عن ذخائر عنقودية، ما يثير مخاوف متزايدة بشأن تصعيد نوعي في طبيعة الأسلحة المستخدمة.
محور إيران: تهديدات من الأطراف
لم تقتصر التهديدات على إيران نفسها، بل امتدت إلى حلفائها الإقليميين. فقد لوّح زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي بإمكانية التدخل العسكري، ما يفتح الباب أمام توسع محتمل للصراع.
هذا التهديد يعكس ما يسميه خبراء “شبكة الردع غير المباشر”، حيث تستخدم طهران حلفاءها للضغط دون الانخراط المباشر.






