في خطوة تُوصف بأنها مفصلية في مسار السياسة الدفاعية الألمانية، وافقت حكومة المستشار فريدريش ميرتس على مشروع قانون يهدف إلى تسريع وتيرة المشتريات العسكرية، في ظل مناخ جيوسياسي متوتر يرافقه تراجع تدريجي في المظلة الأمنية الأمريكية التي ظلّت لسنوات توفر مظلة الحماية للقارة الأوروبية.
محاولة لمواجهة “التقاعس القديم”
القانون الجديد الذي كشف عنه وزير الدفاع بوريس بيستوريوس، يستهدف تسهيل حصول شركات التصنيع العسكري على مدفوعات مسبقة من الدولة، لتقليص فترات الانتظار والبدء الفوري بالإنتاج. كما يُعفي العقود التي لا تتجاوز قيمتها 443 ألف يورو من المرور بإجراءات المناقصات الطويلة، ما يُعد قفزة ضخمة مقارنةً بالسقف القديم البالغ 15 ألف يورو فقط.
وفي مشاريع البناء، ارتفعت العتبة إلى مليون يورو، في محاولة واضحة لتبسيط البيروقراطية المتجذّرة في وزارة الدفاع الألمانية.
نحو جيش يتناسب مع التحديات الجديدة
الوزير بيستوريوس وصف مشروع القانون بأنه “نقلة نوعية” في مسار تطوير القوات المسلحة الألمانية، مشيرًا إلى أنه سيفتح الباب أمام تنفيذ أكثر من 12 ألف صفقة مشتريات خلال السنوات المقبلة، بهدف تعزيز الجاهزية العسكرية بوتيرة عاجلة.
وقالت وزيرة الاقتصاد، كاتيرينا رايشه، إن القانون يُعد ضرورة استراتيجية، مؤكدة أن “ألمانيا بحاجة لأن تكون أقوى تكنولوجيًا وصناعيًا من المعتدين المحتملين”، في إشارة ضمنية إلى روسيا، التي باتت تُنظر إليها كتهديد مباشر بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا.
من الظل الأمريكي إلى الاستقلال الدفاعي
قرار برلين الأخير ليس معزولًا عن السياق العام الذي تعيشه القارة الأوروبية. فمنذ وصول الرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترامب إلى الحكم، دأبت واشنطن على مطالبة شركائها الأوروبيين بتحمل المزيد من المسؤولية الدفاعية. وقد زادت الحرب الروسية-الأوكرانية من قناعة صناع القرار في برلين بضرورة التحرك السريع لإعادة بناء جيش يُعوّل عليه.
ومن هذا المنطلق، تعهّد المستشار الألماني فريدريش ميرتس بإنشاء “أقوى جيش تقليدي في أوروبا”، في تحول واضح في عقيدة الدفاع الألمانية التي لطالما اعتمدت على الحذر والانضباط بعد الحرب العالمية الثانية.
وتتوقع الحكومة الألمانية أن ترتفع ميزانية الدفاع إلى 162 مليار يورو بحلول 2029، وهو رقم يفوق بثلاثة أضعاف ميزانية ما قبل اندلاع الحرب في أوكرانيا. غير أن هذا الطموح لا يزال مرهونًا بموافقة البرلمان، الذي يتعين عليه المصادقة على القانون قبل أن يدخل حيز التنفيذ.
قراءة في الأبعاد السياسية
هذا التحول الدفاعي لا يُقرأ فقط في إطاره العسكري، بل يُعبّر أيضًا عن رغبة ألمانية واضحة في استعادة زمام المبادرة الأوروبية، بعيدًا عن التبعية المطلقة للولايات المتحدة. وهو ما قد يُعيد رسم التوازنات داخل الاتحاد الأوروبي، خاصةً مع فرنسا، التي بدورها تطرح مبادرات دفاعية موازية، وإن كانت دون زخم عملي مشابه.
وبينما تستعد ألمانيا لتجاوز عقدة الماضي وتحقيق قفزة نوعية في بناء منظومتها الدفاعية، تظل الأسئلة معلّقة حول مدى قدرة هذا المسار على الصمود أمام التحديات السياسية والاقتصادية في الداخل، خاصةً مع بروز أصوات معارضة داخل البرلمان تُحذّر من عسكرة السياسة الخارجية الألمانية.





