في وقت يترقب فيه العراقيون الانتخابات النيابية المقبلة المقررة في نوفمبر 2025، يبرز المال السياسي كأحد أبرز التحديات أمام نزاهة العملية الانتخابية .
ومع تصاعد الحديث عن استغلال واسع لموارد الدولة وشراء أصوات الناخبين، قرر مجلس القضاء الأعلى في العراق كسر حالة الصمت، بإطلاق تحرك حاسم للجم هذه الظاهرة.
تحرك قضائي لردع “أثرياء السياسة”
خلال اجتماع موسع ضم كبار القضاة ومسؤولي المفوضية العليا المستقلة للانتخابات وهيئة النزاهة، شدد مجلس القضاء الأعلى على ضرورة اتخاذ الإجراءات القانونية بحق كل من يخلّ بشفافية الانتخابات، خصوصاً من يستخدم المال السياسي.
الاجتماع الذي ترأسه القاضي فائق زيدان جاء تحت شعار واضح: “منع وصول السيئين إلى قبة البرلمان”.
لكن رغم هذه التصريحات، لا تزال تفاصيل تلك الإجراءات غامضة. ويرى مراقبون أن فعالية هذه الخطوة ستعتمد على مدى استقلالية القضاء وقدرته على الصمود أمام الضغوط السياسية والمالية.
المليارات تغير الموازين
يروي سياسيون سابقون وحاليون مشاهد صادمة من واقع الحملات الانتخابية، حيث أصبحت المزايدات المالية أحد عوامل الفوز الأساسية. فوفق النائب أمير المعموري، فإن تكلفة الحملة الواحدة لبعض المرشحين قد تتجاوز 5 مليارات دينار (نحو 3.3 مليون دولار)، أي ما يفوق عشرة أضعاف ما يحصل عليه النائب من رواتب على مدى دورة برلمانية كاملة.
اللافت في الأمر أن هذه الأموال غالباً ما تُستخدم في شراء بطاقات ناخبين، وصل سعر الواحدة منها، وفق روايات محلية، إلى 300 ألف دينار (200 دولار).
شهادات من الداخل: المال أولاً.. والديمقراطية ثانياً
وفقا لصحيفة الشرق الأوسط، كشف أحد المرشحين السابقين عن تعرضه لتجربة مباشرة مع المال السياسي. يقول: “في إحدى الدورات، سلّمني الحزب الذي أنتمي إليه حقيبة مالية بعد اجتماع داخلي، لا أحد سألني لاحقاً عن كيفية إنفاقها، استخدمتها لأغراضي الشخصية ولم أفز، لكن لم يطالبني أحد بشيء!”.
وتكشف هذه الشهادة عن هشاشة منظومة الرقابة الداخلية في الأحزاب، واستخدام المال كوسيلة لشراء الولاء، وليس فقط الأصوات.
الأحزاب النافذة.. أدوات الدولة في خدمة الدعاية
تنص المادة 27 من قانون الانتخابات العراقي على منع موظفي الدولة من استخدام نفوذهم أو موارد الدولة في الدعاية الانتخابية، ومع ذلك تؤكد تقارير ميدانية قيام العديد من المسؤولين الحكوميين باستغلال مواقعهم ونفوذهم لترجيح كفة مرشحين معينين، سواء عبر مشاريع خدمية أو عبر الموارد الإعلامية الرسمية.
كذلك، تحظر المادة 28 تقديم وعود أو إغراءات للناخبين بغرض التأثير على نتائج الانتخابات، إلا أن هذه الممارسات، كما يقول ناشطون، أصبحت من “عدة الشغل” لأي حملة انتخابية قوية.
كتلة “الأثرياء”.. تحالف المال والنفوذ
الانتخابات في العراق لم تعد مجرد سباق أفكار أو برامج انتخابية، بل تحولت إلى “سوق” مفتوح يتنافس فيه “الأغنياء” على مقاعد البرلمان. وتتحول بعض الكتل إلى بوابات لدخول رجال أعمال أو مرشحين مموَّلين، يتحكمون لاحقاً بمفاصل الدولة، ويعيدون استثمار مقاعدهم في صفقات ومشاريع مشبوهة.
ويرى مختصون في الشأن العراقي أن هذه الظاهرة تشكّل خطراً مضاعفاً، فهي لا تقتصر على التأثير في نتائج الانتخابات فحسب، بل تهدد جوهر العملية الديمقراطية وتعمّق الفجوة بين المواطنين والنظام السياسي.
هل تنجح المعركة ضد المال السياسي؟
رغم التحرك القضائي، يشكك البعض في إمكانية النجاح ما لم يتم تفعيل منظومة رقابية شاملة ومستقلة، قادرة على تتبع الإنفاق الانتخابي وكشف مصادر التمويل. ومع أن الإعلان عن نية القضاء مواجهة المال السياسي يُعد تطوراً مهماً، إلا أن التنفيذ يبقى هو المعيار الحقيقي.
في بلد عاش صراعات طائفية وفساداً مستشرياً، قد تكون هذه الخطوة بداية لتصحيح المسار، أو مجرد محاولة لامتصاص الغضب الشعبي قبل الانتخابات.






