في مشهد يعكس مدى التباعد الأخلاقي والسياسي بين الواقع الإنساني في قطاع غزة وبين طموحات بعض أطياف اليمين المتطرف في إسرائيل، عُقد الثلاثاء لقاء علني في الكنيست تحت شعار «الريفييرا في غزة: من رؤية إلى واقع». اللقاء الذي رعاه أعضاء من أكثر التيارات تطرفاً في البرلمان الإسرائيلي، وشارك فيه شخصيات مثل وزير المال بتسلئيل سموتريتش والناشطة الاستيطانية دانييلا فايس، جاء في وقت يعيش فيه سكان القطاع واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في التاريخ الحديث، وفق توصيف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.
ريفييرا الشرق الأوسط
الطرح الذي ناقشه المجتمعون لا يندرج ضمن رؤى لإعادة الإعمار أو دعم جهود إنسانية، بل يتحدث بوضوح عن «خطة رئيسية» لإعادة الاستيطان اليهودي في غزة، يشمل بناء وحدات سكنية تستوعب 1.2 مليون مستوطن، وإنشاء مجمعات صناعية وسياحية، في تصور استعمار جديد للمنطقة، يتجاهل بالكامل الوجود الفلسطيني الذي لا يزال يواجه المجاعة والدمار والنزوح القسري.
يعيد هذا الطرح إلى الأذهان الخطاب الذي تبناه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب عام 2020، عندما اقترح تحويل غزة إلى «ريفييرا الشرق الأوسط» بشرط إخراج سكانها الفلسطينيين. وقد قوبل هذا التصور حينها برفض واسع من الدول العربية والمجتمع الدولي، إذ عُدّ امتداداً لفكرة «السلام الاقتصادي» التي تُستخدم كغطاء لتصفية القضية الفلسطينية، وتغليف عمليات التهجير القسري بمشاريع تطوير مزعومة.
خطط التهجير والاستيطان
السياق الذي يُطرح فيه هذا المخطط اليوم مختلف من حيث توقيته، لكنه أكثر خطورة. فالقطاع يعاني من تدمير شامل جراء عدوان عسكري متواصل منذ أكثر من 21 شهراً، وسط تحذيرات جدية من حدوث مجاعة جماعية. وفي خضم هذه الكارثة، يُستثمر الواقع المنهار لإعادة ترويج مشاريع استيطانية تعيد إنتاج النكبة، ليس فقط كذكرى تاريخية، بل كمخطط محدث يتخذ طابعاً حضارياً زائفاً.
الاستدعاء الصريح لخطط التهجير والاستيطان في اللقاء المذكور لا يمكن فصله عن المنظور الإيديولوجي لليمين الإسرائيلي، الذي لطالما اعتبر قطاع غزة جزءاً من «أرض إسرائيل التاريخية». وقد شهدت العقود الماضية مطالبات متزايدة بإعادة المستوطنات التي أُخليت عام 2005، لكن الهجوم الذي شنته «حماس» في أكتوبر 2023 شكّل لحظة فارقة من حيث إعادة تعبئة هذا المشروع داخل الرأي العام اليميني الإسرائيلي، وتوظيفه كذريعة لتصفية الوجود الفلسطيني في القطاع.
محو الوجود الفلسطيني
خطورة هذا التوجه لا تكمن فقط في مضمونه، بل في محاولة إسباغ شرعية سياسية عليه من داخل مؤسسات الدولة الإسرائيلية، وفي مقدمتها الكنيست. فحين يُطرح استيطان غزة ضمن محافل تشريعية رسمية، وتُعرض مخططات تفصيلية لما بعد «إخراج الفلسطينيين»، فإن الأمر لم يعد مجرد دعوات متطرفة من أطراف هامشية، بل يتحوّل إلى مشروع سياسي يبحث عن نافذة تنفيذ.
من ناحية ثانية، يُعدّ تجاهل الأزمة الإنسانية الحالية جزءاً من رواية «محْو» الوجود الفلسطيني، ليس فقط على الأرض، بل في الخطاب السياسي والإعلامي الإسرائيلي. تحويل غزة إلى “وجهة سياحية” بينما الأطفال يموتون جوعاً، والنازحون يتكدسون في مخيمات بلا ماء أو دواء، يمثل قمة الانفصال عن الواقع، ويكشف كيف يُستخدم البعد الجمالي والحضاري كغطاء لتطهير عرقي تدريجي.
مشاريع استيطانية
التداعيات المحتملة لهذا الطرح خطيرة على مستويات متعددة. فلسطينياً، يُشكل ذلك تهديداً مباشراً بتهجير جديد على نطاق واسع، وتجريداً للسكان من حقهم في الأرض والعودة والحياة. إقليمياً، قد يعيد هذا النوع من المشاريع إشعال موجات من الغضب وعدم الاستقرار، خصوصاً إذا ترافق مع صمت دولي أو دعم ضمني من بعض القوى الكبرى. أما دولياً، فإن تحويل المناطق المنكوبة إلى مشاريع استيطانية يضرب في عمق القانون الدولي، وينسف المبادئ التي قامت عليها اتفاقيات جنيف.
يظهر اللقاء الذي جرى في الكنيست كمؤشر على أن جزءاً من المؤسسة الإسرائيلية لا يسعى إلى إنهاء الحرب بقدر ما يستثمر فيها لبناء واقع جديد على أنقاض غزة. واقع يُهمَّش فيه الفلسطينيون لصالح مستوطنين محتملين، وتُمحى فيه المعاناة لصالح استعراضات عمرانية وسياحية. وفي ظل غياب موقف دولي حازم، تتحول هذه الطروحات إلى تهديد جدي يتجاوز الخيال السياسي نحو التنفيذ العملي.






