بإيقاع هادئ وحركات محسوبة تحاول ألا توقظ ذاكرة المأساة، تحولت شوارع مدينة النبطية في جنوب لبنان من صمت الحرب إلى حركة دؤوبة تملؤها أصوات المعاول والمكانس. هناك، بين واجهات المحال المثقوبة بفعل الغارات الإسرائيلية وأكوام الركام المتناثرة على الأرصفة، يقود عشرات المتطوعين ملحمة إنسانية يومية لإعادة ترتيب تفاصيل المدينة وإزاحة شظايا الزجاج، في محاولة جادة لفتح طريق للحياة داخل بيئة لم تغادر بعد بالكامل ظل الحرب الثقيل.
من الإيواء إلى الإعمار.. مسار ممتد لمرافقة العائدين
لم يكن الحراك الميداني وليد اللحظة، بل جاء كامتداد طبيعي لجهود إغاثية بدأت إبان العمليات العسكرية الشرسة وتواصلت مع عودة الأهالي:
مؤسسة التضامن الشعبي: يوضح المتطوع حبيب الصياد أن المبادرة الحالية هي استمرار لمسار بدأ خلال الحرب، حين تولت المؤسسة إدارة مركز إيواء في مدرسة “معروف سعد” بمدينة صيدا، والذي استقبل نحو 650 عائلة نازحة.
مرافقة طريق العودة: يرى القائمون على الحملة أن دورهم لم ينتهِ بانتهاء المعارك وإغاثة النازحين، بل يمتد لمرافقة الأهالي في طريق عودتهم وإعادة ترتيب ما تهدم من تفاصيل حياتهم الاستقرارية.
تنوع مجتمعي لافت: يشارك في رفع الركام وفتح الطرقات توليفة واسعة من المجتمع اللبناني تضم طلاب جامعات، ومحامين، ومهندسين، وعمالاً، ونساءً، يجمعهم موقف واحد تجاه مدينتهم وفكرة بقائها قابلة للعيش.
شهادات من الميدان: “مزروعون في الأرض كشتلات لا تُقتلع”

بين الأزقة الضيقة للسوق القديمة، ينشغل المتطوعون بتفكيك الكتل الإسمنتية الضخمة يدوياً وبناء هوامش صغيرة للحركة والتنفس للمكان الذي يوشك أن يستعيد عافيته. وتختزل شهادات المشاركين الأبعاد الأخلاقية والمعنوية لهذا التحرك:
نيفين حشيشو (متطوعة): “مواجهة العدوان لا تنتهي بانتهاء الحرب، بل تمتد إلى ما بعدها عبر إعادة بناء ما تهدّم والوقوف إلى جانب الناس في أماكن عودتهم وإسنادهم بكل الإمكانيات المتاحة”.
إبراهيم جمعة (مشارك في الحملة): “ما نقوم به هو واجب أخلاقي قبل أن يكون عملاً تطوعياً. سكان جنوب لبنان مزروعون في أرضهم كشتلات لا تُقتلع، وأقل ما يمكننا تقديمه هو التخفيف من آثار الدمار الذي خلّفه العدوان”.
ومن جانبه، يصف المتطوع علي حشيشو صدمة الوصول الأولى إلى النبطية، حيث انمحت ملامح الوسط التجاري الذي شكل لعقود قلباً اقتصادياً نابضاً، وتحول إلى فراغ واسع من الذاكرة لخصته مبانٍ تصل إلى 10 طوابق مدمّرة بالكامل ومؤسسات مهدّمة. إلا أنه يؤكد أن ابتسامات السكان وتشجيعهم للمتطوعين يمثل الحافز الأكبر للاستمرار في العمل.
إشارات التعافي تبدد قسوة المشهد

مع مرور الوقت يتبدل الإيقاع العام في النبطية تدريجياً؛ إذ تتراجع أكوام الركام عن الأرصفة وتنكشف الواجهات التجارية جزئياً لتفسح المجال أمام المارة. ولا يقتصر المشهد على جهود الفرق التطوعية باليد والمجرفة، بل يتكامل مع دور جرافات الدفاع المدني التي تواصل بهمة إزالة الأنقاض الثقيلة وفتح الطرقات لإعادة الحركة التجارية.
السكان المحليون يشاركون بدورهم في هذا الحراك بطريقتهم الخاصة، سواء بنظرات الامتنان، أو الوقفات القصيرة للتأكد من أن مدينتهم لم تُترك وحيدة في مواجهة ندوبها العميقة. وكانت النبطية قد تعرضت لسلسلة غارات إسرائيلية مكثفة طالت الأحياء السكنية والمرافق العامة، مخلّفةً شللاً كاملاً وأثراً بالغاً على نسيجها العمراني والاقتصادي، لتبرز هذه المقاومة المدنية اليوم كأولى إشارات التعافي واستعادة المدينة لنفسها من بين الشقوق.






