تتطلع برلين وباريس إلى قيادة تحرك دبلوماسي وأمني مشترك للدفع بمفاوضات السلام الشائكة بين لبنان وإسرائيل، مستغلتين علاقاتهما التاريخية والإستراتيجية الخاصة بالجانبين. وتهدف المبادرة الأوروبية الجديدة إلى صياغة اتفاق نهائي يرتكز على ثلاثة محاور رئيسية: وقف دائم لإطلاق النار، انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان، ونزع سلاح حزب الله. وتأتي هذه الخطوات بالتزامن مع التحضير لانعقاد “مجلس الوزراء الألماني الفرنسي” في 17 يوليو/تموز الجاري، والذي سيشهد إطلاق الخطة رسمياً لتغطية ملفات الشرق الأوسط وإيران وأوكرانيا.
الأوراق الإستراتيجية لمحور برلين-باريس في النزاع
ينطلق التحرك الفرنسي الألماني بالاعتماد على نقاط نفوذ تملكها الدولتان للضغط على طرفي الصراع وتحقيق توازن في العملية التفاوضية:
الدور الفرنسي (المرجعية اللبنانية): ترتبط باريس بعلاقات تاريخية وثيقة مع بيروت، وتُعد اليوم المرجع الأوروبي المحوري للبنان بفضل نفوذها السياسي والاقتصادي وحضورها الثقافي. ويُمثل انتخاب قائد الجيش المدعوم فرنسياً، جوزيف عون، رئيساً للبنان في يناير/كانون الثاني 2025، ركيزة أساسية لدعم هذا التحرك. ويرهن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون جهود إعادة الإعمار بتنفيذ إصلاحات هيكلية وتأكيد السيادة الوطنية الكاملة.
الدور الألماني (الرافعة الإسرائيلية): تشكل السوابق التاريخية المرتبطة بمسؤولية برلين عن “المحرقة النازية” جوهر علاقتها الوثيقة بإسرائيل ومفهوم “مصلحة الدولة” لديها. وتتمتع ألمانيا بنفوذ أمني وسياسي واقتصادي في تل أبيب يتيح لها، بالتكامل مع فرنسا، ممارسة ضغوط جادة على حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية، لربط الاحتياجات الأمنية الإسرائيلية باستقرار الدولة اللبنانية وتعزيز مؤسساتها.
معضلة الفراغ الأمني والبدائل المقترحة لـ«اليونيفيل»
تكتسب المبادرة الأوروبية زخماً استثنائياً مدفوعاً بقرع ناقوس الخطر حول الترتيبات الأمنية الميدانية في الجنوب؛ حيث تنتهي مهام قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) بنهاية عام 2026 الجاري، في وقت يواجه فيه الجيش اللبناني نقصاً حاداً في التمويل والأفراد والعتاد يمنعه من سد الفراغ بمفرده.
وفي ظل احتلال الجيش الإسرائيلي لأكثر من 600 كيلومتر مربع في جنوب لبنان وتدميره الممنهج للقرى الواقعة تحت سيطرته، أبلغ الرئيس ماكرون نظيره اللبناني جوزيف عون، في يونيو/حزيران الماضي، ببدء مشاورات دولية لتقييم إمكانية نشر قوة دولية جديدة. وتدرس الدوائر الأوروبية حالياً أربعة خيارات لوضعها موضع التنفيذ:
تعزيز قدرات الدولة اللبنانية لتأمين حدودها البرية مع سوريا، وقطع خطوط شحنات الأسلحة الإيرانية الموجهة لحزب الله.
دعم الجيش اللبناني لتمكينه من فرض احتكار الدولة التدريجي على استخدام القوة العسكرية.
العمل على تأسيس “بعثة أوروبية للأمن والدعم” تنتشر في الأراضي اللبنانية.
تقديم تسيير لوجستي متكامل وبرامج تدريب متطورة وتأهيل شبكات الاتصالات الإستراتيجية العسكرية.
ويراهن المحور الألماني الفرنسي على تحول لافت في المزاج العام الداخلي اللبناني نحو تعزيز سيادة الدولة والحد من السلاح غير الشرعي لإنجاح الخطط البديلة، بالرغم من أن الحسم النهائي يظل رهناً بمدى التزام الجانب الإسرائيلي بخيار السلام المستدام.
يُذكر أن إسرائيل تشن منذ 2 مارس/آذار الماضي عدواناً واسعاً على لبنان على خلفية حربها المستعرة مع إيران، أسفر ــ وفقاً لبيانات وزارة الصحة اللبنانية حتى 9 يوليو/تموز الجاري ــ عن مقتل 4 آلاف و322 شخصاً وإصابة 12 ألفاً و210 آخرين، وسط توغل آليات الاحتلال لمسافة تتجاوز 10 كيلومترات داخل العمق اللبناني.






