تعكس تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بشأن استمرار الحرب في غزة ورفضه لأي تسوية دون استسلام حركة حماس، تصعيدًا لفظيًا وسياسيًا يكرّس منطق الحرب الشاملة، ويغلق الباب أمام أي مخرج سياسي محتمل. هذا الموقف لا يصدر فقط في سياق عسكري ميداني، بل يتجاوز ذلك ليعبّر عن استراتيجية سياسية بعيدة المدى، هدفها الأساسي فرض شروط استسلام على الخصم، لا تفاوض معه، وهو ما يتنافى مع أبسط القواعد التي تحكم النزاعات المسلحة ومساعي إنهائها.
غزة ساحة تصفية حسابات مفتوحة
تشديد نتنياهو على أن “اللحظة التي تلقي فيها حماس سلاحها وتستسلم” هي وحدها التي يمكن أن تُنهي الحرب، يعني أن إسرائيل ليست بصدد التفاوض أو القبول بأي تسوية متوازنة، بل تطالب بإنهاء وجود الطرف الآخر سياسيًا وعسكريًا، الأمر الذي يعمّق مأزق الحرب ويطيل أمدها، ويحوّل غزة إلى ساحة تصفية حسابات مفتوحة، غير معنية بثمنها الإنساني الباهظ. كما أن ربط انتهاء الحرب بقرار إسرائيلي بحت – يسمح أو لا يسمح بخروج قيادات المقاومة من غزة – يُظهر أن تل أبيب تسعى لتحديد مصير القطاع وشعبه من طرف واحد، في تكريس لحالة استعمارية صريحة.
أما في ما يخص إيران، فإن تصريحات نتنياهو بشأن “انعدام فرصة السلام مع النظام الإيراني”، تأتي ضمن خطاب تقليدي بات يكرّره منذ سنوات، إلا أن الجديد في هذه التصريحات هو محاولة إظهار الدعم الشعبي الإيراني المفترض ضد النظام، في محاولة واضحة لتصوير إسرائيل كطرف يقف إلى جانب “الشعوب المقهورة”، رغم أنها تمارس حصارًا وتجويعًا وقتلًا جماعيًا ضد المدنيين في غزة. هذا التناقض الفج في الخطاب يُستخدم للتأثير على الرأي العام الغربي، ولا سيما الأميركي، لتبرير تصعيد إقليمي محتمل أو لتقويض أي جهود لاحتواء الصراع.
حشد الدعم المطلق من واشنطن
العبارة التي استخدمها نتنياهو بشأن أن “الأميركيين الذين لا يدعمون إسرائيل لا يدعمون الولايات المتحدة” تحمل دلالة مزدوجة؛ فهي من جهة خطاب ابتزاز سياسي، يوجّه إلى الإدارة الأميركية الحالية وبعض الأصوات الديمقراطية التي باتت تنتقد جرائم الحرب في غزة، ومن جهة أخرى، تعكس عقلية الهيمنة الأخلاقية التي تحاول إسرائيل فرضها على السياسة الأميركية، بحيث تُختزل مفاهيم الدعم والولاء القومي الأميركي في مدى الانحياز المطلق لإسرائيل، حتى في مواقفها الأكثر تطرفًا.
تحمل هذه التصريحات رسالة مفادها أن الحكومة الإسرائيلية ماضية في مشروعها العسكري والسياسي حتى نهايته القصوى، دون اكتراث لضغوط دولية أو إنسانية، وهي تسعى إلى خلط أوراق الصراع في غزة بالملف الإيراني، وبتحشيد الدعم المطلق من واشنطن، بما يعزز موقع نتنياهو داخليًا ويمنحه مزيدًا من الوقت في مواجهة الأزمات السياسية والقانونية التي تلاحقه. لكن هذا النهج، وإن مكّنه مرحليًا من فرض رؤية ضيقة، إلا أنه يعمّق عزلة إسرائيل الأخلاقية، ويزيد من هشاشة مستقبل المنطقة بأكملها.






