لم تعد أزمة مضيق هرمز مجرد تفصيل في الحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة. فمع دخول المواجهة مرحلة جديدة تتداخل فيها الضغوط العسكرية والاقتصادية، بات المضيق نفسه واحداً من المفاتيح التي قد تحدد شكل التسوية المقبلة.
وفي هذا السياق، تحركت القاهرة على خط الاتصالات بين طهران وواشنطن، بينما بدأت دول أخرى التفكير في كيفية تقليل اعتمادها على المضيق، تحسباً لاستمرار اضطراب الملاحة فيه.
وقالت وزارة الخارجية المصرية إن وزير الخارجية بدر عبد العاطي بحث مع نظيره الإيراني عباس عراقجي الجهود الرامية إلى إعادة إيران والولايات المتحدة إلى طاولة المفاوضات، بما يسمح بإنهاء الصراع بين البلدين.
المحادثات لم تقتصر على مستقبل التفاوض، إذ تناولت أيضاً الاتصالات الإيرانية العمانية بشأن إدارة حركة الملاحة في مضيق هرمز، في إشارة إلى أن القضية البحرية أصبحت جزءاً مباشراً من المسار الدبلوماسي.
القاهرة تحاول إبقاء باب التفاوض مفتوحاً
بحسب الخارجية المصرية، عرض عراقجي خلال الاتصال رؤية طهران للتطورات الجارية، وما تحقق في المفاوضات والتحديات التي تواجهها، من دون الكشف عن تفاصيل إضافية.
وتأتي هذه الاتصالات في وقت تحاول فيه أطراف إقليمية منع انتقال المواجهة إلى مرحلة أكثر خطورة.
فمصر، التي ترتبط مصالحها مباشرة بأمن الملاحة في المنطقة وقناة السويس، تملك مصلحة واضحة في عودة حركة التجارة والطاقة إلى مساراتها الطبيعية.
أما بالنسبة لإيران، فإن أي تفاوض بشأن هرمز لا ينفصل عن المعركة الأكبر مع واشنطن، لأن المضيق يمثل واحدة من أقوى أوراق الضغط التي تمتلكها طهران.
بيزشكيان: انتهى وقت الحرب
في الداخل الإيراني، جاءت تصريحات الرئيس مسعود بيزشكيان لتضيف بعداً جديداً إلى المشهد.
وقال الرئيس الإيراني إن الحرب مع الولايات المتحدة ينبغي أن تنتهي، مؤكداً أن العالم بات يعترف بانتصار إيران.
وتقوم الرواية الإيرانية على أن قدرتها على الصمود أمام الضغوط الأميركية، إلى جانب إحكام السيطرة على مضيق هرمز ورفض المطالب الأميركية، تمثل بحد ذاتها نتيجة يمكن تقديمها على أنها انتصار.
لكن واشنطن تقدم تفسيراً مختلفاً تماماً.
ترامب يراهن على “الحرب الاقتصادية”
الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلن أن إدارته ستفرض على إيران مستوى “غير مسبوق” من الحرب الاقتصادية والعزلة، بهدف إجبار القيادة الإيرانية على قبول المطالب الأميركية.
وتتركز هذه المطالب، وفق التصريحات الأميركية، على ملفين رئيسيين: إنهاء البرنامج النووي الإيراني وإعادة فتح مضيق هرمز بصورة كاملة.
وهنا تصبح المعادلة أكثر تعقيداً.
إيران تمتلك ورقة المضيق، بينما تمتلك الولايات المتحدة أدوات الضغط الاقتصادي والقدرة على التأثير في النظام المالي والتجاري العالمي.
وبين الورقتين، تحاول الأطراف الإقليمية إيجاد مخرج لا يجعل الاقتصاد العالمي رهينة لاستمرار المواجهة.
العراق يبحث عن منفذ لنفطه
أحد أبرز مؤشرات خطورة الوضع هو دخول النفط العراقي مباشرة في الحسابات المرتبطة بالمضيق.
فالحكومتان العراقية والإيرانية أعلنتا أن طهران سمحت لبعض السفن التي تحمل النفط العراقي بالمرور عبر هرمز، وإن ظلت تفاصيل العملية محدودة.
وقال الرئيس العراقي نزار العميدي إن إيران تقدم المساعدة لبعض السفن التي تنقل النفط العراقي عبر المضيق، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن العراق لا يمتلك شركة شحن وطنية لنقل النفط.
أما وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية، فقالت إن عدداً من الناقلات العراقية حصل على إذن بالمرور، ووصفت المسألة بأنها من أبرز المطالب التي طرحتها بغداد خلال زيارة رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف.
المسألة بالنسبة للعراق ليست رمزية.
فالاقتصاد العراقي يعتمد بصورة كبيرة على صادرات النفط، وأي تعطيل طويل لحركة ناقلاته يمكن أن يتحول سريعاً إلى أزمة مالية واقتصادية.
البحث عن هرمز آخر
لكن التطور الأهم ربما لا يحدث داخل المضيق نفسه، بل خارجه.
فالدول المستوردة والمصدرة للطاقة بدأت تتعامل مع احتمال أن لا تعود حركة الملاحة عبر هرمز إلى طبيعتها في وقت قريب.
ومن هنا جاءت فكرة تطوير طرق بديلة لنقل النفط والغاز والبضائع بعيداً عن الخليج العربي.
ومن المنتظر أن يبحث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، خلال زيارة الأخير إلى باريس، خيارات لتطوير هذه المسارات.
وتشمل المقترحات زيادة استخدام الموانئ العمانية الواقعة خارج الخليج العربي، وتوسيع أو مضاعفة خطوط أنابيب النفط في السعودية ودول أخرى، إلى جانب إنشاء خطوط سكك حديدية جديدة.
هذه المشاريع قد تبدو في ظاهرها اقتصادية ولوجستية، لكنها في الواقع تحمل مضموناً جيوسياسياً واضحاً: تقليص قدرة أي طرف على استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط على الاقتصاد العالمي.
السعودية وفرنسا.. إعادة رسم خريطة الطاقة
وفي هذا الإطار، أنشأت فرنسا والسعودية مجموعة عمل مشتركة تبحث في تطوير روابط الطاقة والخدمات اللوجستية بين الشرق الأوسط وأوروبا.
ومن المقرر أن تعقد المجموعة اجتماعاً على المستوى الوزاري، مع تركيز على المشاريع الأكثر استراتيجية، وكيفية تمويلها، وتوزيع الأدوار بين الشركات الفرنسية.
ولا يتعلق الأمر فقط بالتعامل مع أزمة مؤقتة.
فإذا استثمرت الدول أموالاً ضخمة في خطوط أنابيب وموانئ وسكك حديدية جديدة، فإن هذه البنية التحتية قد تغير طرق التجارة والطاقة في المنطقة لسنوات طويلة.
بمعنى آخر، الحرب قد تعيد رسم الخريطة الاقتصادية حتى بعد توقف القتال.
هل يصبح هرمز جزءاً من صفقة السلام؟
المفارقة أن المضيق الذي كان أحد أهم أدوات الضغط الإيرانية أصبح في الوقت نفسه أحد أكبر العوائق أمام أي تسوية.
طهران تريد الاحتفاظ به كورقة قوة، وواشنطن تريد إعادة فتحه بالكامل، بينما تبحث الدول المتضررة عن طرق تقلل اعتمادها عليه.
ولهذا فإن أي مفاوضات جديدة بين إيران والولايات المتحدة لن تكون قادرة على تجاهل هرمز.
وقد يكون السؤال الأصعب أمام الوسطاء ليس فقط: كيف نوقف الحرب؟
بل: من يضمن حرية الملاحة بعد الحرب؟
وهل تقبل إيران بالتخلي عن استخدام المضيق كورقة ضغط مقابل رفع العقوبات أو تقديم ضمانات سياسية وأمنية؟ أم ستصر على الاحتفاظ بهذه الورقة حتى بعد التوصل إلى اتفاق؟
معركة ما بعد الحرب بدأت قبل نهايتها
المشهد الحالي يكشف أن الأطراف لا تنتظر انتهاء الحرب حتى تبدأ في التفكير في اليوم التالي.
مصر تحاول إعادة إيران والولايات المتحدة إلى التفاوض. العراق يبحث عن ضمان استمرار صادراته النفطية. السعودية تدرس توسيع طرق الطاقة بعيداً عن هرمز. وفرنسا تحاول بناء شبكة لوجستية تربط الخليج بأوروبا عبر مسارات أكثر تنوعاً.
وفي المقابل، تتمسك واشنطن بالعقوبات والضغط الاقتصادي، بينما تسعى طهران إلى تثبيت روايتها بأنها خرجت من الحرب وهي في موقع يسمح لها بالتفاوض من موقع قوة.
لذلك فإن الصراع لم يعد يدور فقط حول الصواريخ والمنشآت العسكرية.
إنه صراع على الممرات البحرية، وأسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، وطرق التجارة التي ستحدد شكل المنطقة بعد توقف القتال.
وقد يكون هذا هو التحول الأهم في المرحلة الحالية: فحتى لو توقفت الحرب غداً، فإن آثارها الاقتصادية والجيوسياسية قد تستمر لسنوات، وربما تدفع المنطقة بأكملها إلى إعادة اكتشاف طرق جديدة للنفط والتجارة بعيداً عن المضيق الذي ظل لعقود أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي.






