يواجه قطاع غزة اليوم واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخه الحديث، حيث لم تعد الحرب تُقاس بعدد الضحايا في غارات جوية، بل بات التجويع سلاحًا رئيسيًا يستخدم ببطء وثبات لقتل شعب بأكمله. التحذير الصادر عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة يعبّر عن مرحلة جديدة من الحصار، تجاوزت المفهوم التقليدي إلى ما يمكن وصفه بالإبادة الجماعية البطيئة، إذ يتم استخدام الحصار الكامل كأداة للإخضاع والإبادة في آن واحد.
تحقيقات دولية عاجلة
إن استمرار إغلاق معابر القطاع لأكثر من 140 يومًا، ومنع دخول الغذاء والدواء وحليب الأطفال والوقود، يشكّل انتهاكًا صارخًا لكل القوانين الدولية والاتفاقيات الإنسانية، وعلى رأسها اتفاقيات جنيف. ما يحدث ليس مجرد أزمة إنسانية بل جريمة ممنهجة تتم على مرأى من العالم، تحت غطاء صمت دولي مدوٍ وعجز واضح لمؤسسات المجتمع الدولي، بما في ذلك الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية والصليب الأحمر.
الأرقام التي كشف عنها المكتب الإعلامي الحكومي لا تترك مجالًا للشك: أكثر من 877 شهيدًا سقطوا عند مراكز توزيع المساعدات نتيجة استهداف الاحتلال لهم أثناء محاولتهم الحصول على الغذاء، وهو رقم كافٍ لفتح تحقيقات دولية عاجلة حول استخدام المساعدات كطُعم لاستدراج المدنيين وقتلهم. كما أن وفاة 69 طفلًا بسبب الجوع وسوء التغذية، و620 مريضًا نتيجة نقص الدواء، تؤكد أن ما يحدث هو عملية قتل ممنهجة وليست تبعات عشوائية لحرب.
المساعدات وسيلة للقتل
الرد الدولي، حتى اللحظة، لا يزال قاصرًا، ويكاد يكون غير موجود. ليس فقط لأن المساعدات لم تدخل، بل لأن الدول الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، ما زالت تقدم غطاء سياسيًا وسلاحًا لإسرائيل، بينما تكتفي دول أخرى بإصدار بيانات القلق والأسف. وفي هذا السياق، تُطرح تساؤلات قاسية عن جدوى القانون الدولي، ومدى صدقية المؤسسات التي يفترض بها أن تحمي حياة المدنيين، لا أن تراقب بصمت عمليات إبادتهم.
كارثة غزة ليست فقط اختبارًا أخلاقيًا للضمير العالمي، بل أيضًا لحقيقة النظام الدولي بأسره، ومدى انحيازه أو عدالته. إذ كيف يُعقل أن يُقتل الأطفال جوعًا في زمن الوفرة، وأن تُستخدم المساعدات كوسيلة للقتل بدلًا من أن تكون وسيلة للنجاة؟
كسر إرادة الفلسطينيين
المأساة التي يعيشها سكان غزة، وبخاصة الأطفال والمرضى، تُعبّر عن نهاية كل الأعراف الإنسانية في سياق الاحتلال. فما يجري لا يمكن فصله عن مشروع سياسي هدفه كسر إرادة الفلسطينيين، وإجبارهم على الخضوع أو الهجرة القسرية، عبر تجفيف شروط الحياة الأساسية.
وسط هذا الظلام، تبقى مسؤولية التحرك ملقاة على عاتق الشعوب الحرة، وعلى كل من ما زال يمتلك حسًا إنسانيًا حيًا. فغزة لا تحتاج فقط إلى بيانات إدانة جديدة، بل إلى مواقف حقيقية، وضغوط سياسية، وتحركات عاجلة توقف هذه الجريمة الممتدة قبل أن تتحول الكارثة إلى مجزرة مكتملة الأركان تُسجل في التاريخ، لا كوصمة على جبين الاحتلال فقط، بل على جبين العالم الصامت.






