تسعى أوكرانيا إلى الحصول على القدرة على تصنيع صواريخ الاعتراض الأميركية «باتريوت» داخل أراضيها، في خطوة يمكن أن تساعدها على مواجهة الهجمات الصاروخية الروسية وتقليص اعتمادها على الإمدادات الغربية.
لكن الطريق إلى الإنتاج المحلي لا يزال طويلًا.
فبعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في يوليو/تموز أن واشنطن ستمنح كييف ترخيصًا لتصنيع صواريخ باتريوت، عاد في نهاية الشهر نفسه ليقول إن الولايات المتحدة لم توافق بعد على إنتاج أوكرانيا لهذه الصواريخ، مشيرًا إلى ضرورة توخي الحذر عند مشاركة التكنولوجيا العسكرية الأميركية المتقدمة.
وبين التصريحات المتباينة، تجري وزارة الدفاع الأميركية والشركات المصنعة مباحثات حول ما يمكن نقله إلى أوكرانيا، وما الذي سيبقى تحت السيطرة الأميركية.
لماذا تريد كييف تصنيع باتريوت؟
بالنسبة إلى أوكرانيا، أصبحت صواريخ باتريوت من أهم عناصر الدفاع الجوي في مواجهة الهجمات الروسية.
فالمنظومة من بين الأنظمة الغربية القادرة على اعتراض عدد من الصواريخ الباليستية التي تستخدمها روسيا ضد المدن والمنشآت الأوكرانية، في وقت تواجه فيه كييف نقصًا متزايدًا في صواريخ الاعتراض.
ولا يتعلق الأمر فقط بالحصول على مزيد من الصواريخ الجاهزة، بل بمحاولة إنشاء قدرة إنتاجية داخل أوكرانيا يمكنها توفير الذخائر بصورة أسرع وعلى المدى الطويل.
وقد أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في يوليو أن هناك اتفاقًا سياسيًا مع الولايات المتحدة بشأن تراخيص إنتاج صواريخ باتريوت، كما تحدث لاحقًا عن تعاون محتمل مع شركة «رايثيون» في الإنتاج المشترك.
لكن الجانب الأميركي لا يزال يتعامل مع المسألة باعتبارها مشروعًا قيد الدراسة.
واشنطن تدرس عدة خيارات
قال مايكل كادينازي، مساعد وزير الدفاع الأميركي لشؤون السياسة الصناعية، إن وزارة الدفاع تدرس عدة مسارات لإنتاج صواريخ باتريوت، تشمل مزيجًا من الإنتاج المحلي والدولي، ومواقع تصنيع مختلفة، إلى جانب تحديد النسخة التي يمكن إنتاجها.
وأضاف أن العمل لم يصل بعد إلى مرحلة الاتفاق النهائي، لكن هناك جهودًا وصفها بأنها قوية وممولة جيدًا بهدف وضع خطة تتوافق مع توجيهات الرئيس الأميركي.
وهذا يعني أن الحديث عن «تصنيع باتريوت في أوكرانيا» لا يعني أن خط إنتاج أوكراني سيبدأ العمل قريبًا.
فالمنظومة تضم عددًا كبيرًا من المكونات والأنظمة المتخصصة، فيما تعتمد صواريخ الاعتراض على سلاسل توريد تخضع لمعايير أميركية دقيقة.
العقدة الأصعب: سلسلة التوريد
بحسب كادينازي، فإن أصعب جزء في المشروع سيكون تأهيل واعتماد سلسلة التوريد الأوكرانية التي ستشارك في تصنيع صواريخ الاعتراض.
وقال إن عدد المهندسين الذين يمتلكون الخبرة اللازمة محدود، كما أن عدد المكونات المؤهلة والمتوافقة مع متطلبات المنظومة محدود أيضًا.
ويعني ذلك أن نقل التصنيع لا يقتصر على إرسال مخططات أو معدات إلى أوكرانيا.
يتعين تدريب المهندسين والفنيين، والعثور على موردين قادرين على إنتاج مكونات بالمواصفات المطلوبة، ثم اختبارها واعتمادها قبل إدخالها في منظومة تسليح تعتمد عليها حياة آلاف الجنود والمدنيين.
رايثيون ولوكهيد: «العملية بدأت للتو»
وتشير تصريحات الشركات الأميركية إلى أن المشروع لا يزال في مراحله الأولى.
وقال توم لاليبرتي، رئيس أنظمة الدفاع الأرضي والجوي في «رايثيون»، إن عملية بحث إمكانية إنتاج باتريوت في أوكرانيا «بدأت للتو»، مؤكدًا أن الشركة ستعمل وفق ما تقرره الحكومة الأميركية.
أما شركة «لوكهيد مارتن»، التي تصنع صاروخ PAC-3، فقال مسؤول فيها إن المناقشات لا تزال في مرحلة مبكرة.
وتصنع «رايثيون» صواريخ GEM-T المستخدمة ضمن منظومة باتريوت، بينما تصنع «لوكهيد مارتن» صواريخ PAC-3، وهي من أهم صواريخ الاعتراض المستخدمة ضد الصواريخ الباليستية.
مخاوف من نقل التكنولوجيا
المسألة لا تتعلق بالقدرة الصناعية وحدها.
فباتريوت ليست مجرد صاروخ، بل منظومة متكاملة تضم الرادار، وأنظمة القيادة والسيطرة، وبرمجيات متقدمة، وأنظمة توجيه ومكونات حساسة.
ولهذا تثير فكرة نقل جزء من تكنولوجيا الإنتاج إلى دولة تخوض حربًا مباشرة مع روسيا أسئلة أمنية تتعلق بحماية التكنولوجيا الأميركية ومنع وصول مكوناتها أو تفاصيلها إلى موسكو.
وقد أشار الجنرال الأميركي المتقاعد فيليب بريدلوف إلى هذا النوع من المخاوف، محذرًا من احتمال وصول بعض التكنولوجيا الحساسة في نهاية المطاف إلى روسيا.
لكن هناك تفسيرًا آخر أكثر غرابة طرحته تقارير صحفية أميركية: الخوف من أن تصبح أوكرانيا جيدة جدًا في تصنيع باتريوت.
هل يمكن أن تتفوق أوكرانيا على المصانع الأميركية؟
وفق تقرير نشرته مجلة «ذا أتلانتيك»، هناك مخاوف داخل بعض الأوساط الأميركية من أن يؤدي نقل التكنولوجيا إلى نتيجة غير متوقعة.
فأوكرانيا طورت خلال الحرب قطاعًا صناعيًا دفاعيًا سريع النمو، وأصبحت شركاتها قادرة على تطوير وتصنيع أسلحة وأنظمة جديدة بوتيرة سريعة استنادًا إلى الخبرة الميدانية المباشرة.
وتتمثل المخاوف، وفق الرواية التي أوردتها المجلة، في أن يتمكن المهندسون الأوكرانيون من تعديل بعض جوانب التصميم أو أساليب الإنتاج، ثم تصنيع الصاروخ بسرعة أكبر وتكلفة أقل مما تسمح به خطوط الإنتاج الأميركية التقليدية.
هذه الفرضية لم تؤكدها «رايثيون» أو «لوكهيد مارتن»، كما أن الشركات لم تعلن رفضها المبدئي لفكرة التعاون مع أوكرانيا.
بل إن «رايثيون» أعلنت أن لديها استعدادًا للعمل مع كييف في إطار الإنتاج المشترك، بينما أكدت «لوكهيد مارتن» أنها تجري مباحثات مع الجيش الأميركي بشأن الخيارات المتاحة.
أوكرانيا أثبتت قدرتها على تطوير أسلحة بسرعة
خلال سنوات الحرب، تحولت أوكرانيا إلى مختبر عسكري مفتوح.
فالحاجة إلى مواجهة روسيا دفعت الشركات الأوكرانية إلى تطوير طائرات مسيّرة وأنظمة اعتراض ووسائل حرب إلكترونية بوتيرة سريعة، مستفيدة من الخبرة التي يتم اكتسابها مباشرة في ساحة القتال.
وفي يوليو، كشفت شركة أوكرانية عن نسخة جديدة من طائرة اعتراضية مصممة لمواجهة الطائرات المسيّرة الروسية من طراز «شاهد»، وقالت إن تطويرها استغرق نحو ثلاثة أشهر فقط.
وهذه السرعة في دورة التطوير هي أحد الأسباب التي تجعل القدرات الصناعية الأوكرانية موضع اهتمام متزايد لدى الولايات المتحدة وأوروبا.
أزمة عالمية في صواريخ الاعتراض
هناك سبب آخر يجعل إنتاج باتريوت في الخارج جذابًا بالنسبة إلى واشنطن نفسها.
فالحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط أدت إلى ارتفاع الطلب على صواريخ الاعتراض، في وقت تراجعت فيه المخزونات الأميركية.
وبحسب رويترز، استُهلك نحو 65% من مخزون الولايات المتحدة من صواريخ باتريوت بين فبراير/شباط ويوليو/تموز 2026، وبقي أقل من 850 صاروخ اعتراض، بينما تعمل واشنطن على زيادة الإنتاج.
وتبلغ تكلفة صاروخ PAC-3 MSE نحو 4 إلى 5 ملايين دولار، ما يجعل زيادة الإنتاج وتوسيع قاعدة التصنيع مسألة استراتيجية للولايات المتحدة وحلفائها.
لهذا، فإن نقل جزء من الإنتاج إلى أوروبا أو أوكرانيا يمكن أن يساعد في تخفيف الضغط على المصانع الأميركية، إذا أمكن تجاوز العقبات التقنية والأمنية.
الطريق إلى الإنتاج ما زال طويلًا
وتؤكد وزارة الدفاع الأميركية أن المشروع لم يصل بعد إلى مرحلة التنفيذ الكامل.
فحتى في حال اتخاذ قرار سياسي نهائي بمنح الترخيص، ستحتاج أوكرانيا إلى إنشاء سلسلة توريد مؤهلة، وتدريب الكوادر، واعتماد المكونات، واختبار خطوط الإنتاج، والتأكد من مطابقة الصواريخ للمعايير الأميركية.
وقال كادينازي إن بناء سلسلة توريد جديدة يحتاج إلى وقت للعثور على الموردين القادرين على إنتاج المكونات المؤهلة.
وفي الوقت نفسه، تعمل الولايات المتحدة وحلفاؤها على توسيع إنتاج باتريوت في أماكن أخرى. فقد أعلنت واشنطن عن خطط لإنشاء منشأة لصيانة صواريخ PAC-3 في أوروبا، مع بحث إمكانات مستقبلية للإنتاج خارج الولايات المتحدة.
من يحتفظ بالمعرفة؟
في النهاية، لا تدور المعركة حول مصنع جديد في أوكرانيا فقط.
السؤال الأهم هو كم من المعرفة والتكنولوجيا الأميركية يمكن نقلها إلى كييف، وأي أجزاء من المنظومة ستظل تحت السيطرة الأميركية؟
بالنسبة إلى أوكرانيا، يمثل التصنيع المحلي فرصة لتقليص اعتمادها على الإمدادات الخارجية في حرب طويلة الأمد.
وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، يمكن أن يوفر الإنتاج خارج أراضيها قدرة إضافية في وقت تتعرض فيه مصانعها لضغط متزايد.
لكن بين الهدفين تقف التكنولوجيا الحساسة، وسلاسل التوريد، ومعايير الاعتماد، ومخاوف وصول الأسرار العسكرية إلى روسيا.
ولهذا، ورغم الحديث السياسي عن إنتاج باتريوت في أوكرانيا، فإن المسافة بين الإعلان السياسي وبدء خروج أول صاروخ من مصنع أوكراني لا تزال طويلة.






