في خطوة مثيرة للجدل، أقرّ الكنيست الإسرائيلي قانونًا يسمح بفرض عقوبة الإعدام على أسرى فلسطينيين، وسط انقسام سياسي داخلي وانتقادات حقوقية ودولية واسعة. القرار، الذي حظي بدعم من أطراف في الائتلاف والمعارضة على حد سواء، يفتح الباب أمام تحولات خطيرة في طبيعة النظام القانوني المطبق على الفلسطينيين في الأراضي المحتلة.
تحالف غير تقليدي داخل الكنيست
شهد التصويت على القانون تقاطعًا لافتًا بين أطراف متباينة سياسيًا، إذ دعمه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو إلى جانب زعيم حزب “يسرائيل بيتينو” أفيغدور ليبرمان، رغم وجود معارضة جزئية داخل الائتلاف نفسه، خصوصًا من بعض نواب حزب “يهدوت هتوراه”.
كما أثار تصويت بعض النواب العرب الدروز لصالح القانون جدلًا إضافيًا، ما يعكس تعقيد المشهد السياسي داخل إسرائيل، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع الحسابات الحزبية والهوياتية.
اتهامات بالتمييز وخرق القانون الدولي
منظمات حقوقية، وعلى رأسها مركز عدالة، اعتبرت القانون «تشريعًا للقتل المتعمّد» وخرقًا صريحًا لمبدأ المساواة. وأكدت أن النص القانوني يقوم على أسس تمييزية، تستهدف فئة محددة على أساس إثني، ما يرقى إلى مستوى التمييز العنصري المحظور دوليًا.
كما أُثيرت إشكالية تطبيق القانون الإسرائيلي على سكان الضفة الغربية، حيث يشير خبراء إلى تعارض ذلك مع اتفاقية لاهاي، التي تحدد صلاحيات القوة القائمة بالاحتلال وتقيّد قدرتها على فرض تشريعاتها على السكان المحليين.
المحاكم العسكرية تحت المجهر
تزداد خطورة القانون في ظل واقع قضائي خاص، حيث يُحاكم الفلسطينيون في الضفة الغربية أمام محاكم عسكرية تُسجل نسب إدانة تقارب 100%. هذا المعطى يدفع منتقدين إلى اعتبار القانون أداة «إعدام شبه تلقائي»، خاصة مع غياب ضمانات المحاكمة العادلة بالمعايير الدولية.
وفي هذا السياق، أعلن مركز عدالة عزمه التوجه إلى المحكمة العليا للطعن في دستورية القانون، ما يفتح جبهة قضائية قد تمتد لسنوات.
انتقادات أوروبية وتحذيرات من عقوبات
أثار إقرار القانون ردود فعل حادة من دول أوروبية كبرى، بينها فرنسا وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة، التي حذرت من تداعياته على القيم الديمقراطية وسيادة القانون.
كما لوّح الاتحاد الأوروبي بإمكانية فرض عقوبات، قد تشمل تعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل أو تقليص التعاون الاقتصادي والتكنولوجي، في حال المضي قدمًا في تطبيق القانون.
ووفق تقديرات دبلوماسية، فإن هذه الخطوة قد تدفع العلاقات الأوروبية–الإسرائيلية إلى مرحلة غير مسبوقة من التوتر، خاصة مع تصاعد الانتقادات بشأن ازدواجية النظام القضائي.
جدل الردع: بين الخطاب الأمني والواقع الحقوقي
يدافع وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير عن القانون باعتباره أداة ردع ضرورية. غير أن منظمات مثل منظمة العفو الدولية تؤكد عدم وجود أدلة علمية تثبت أن عقوبة الإعدام أكثر فاعلية من السجن المؤبد في الحد من الجرائم.
بل على العكس، يرى خبراء أن توسيع استخدام الإعدام في سياق نزاع سياسي قد يؤدي إلى مزيد من التصعيد، بدلًا من تحقيق الردع المنشود.
قانون بين الأمن والسياسة… وأزمة شرعية متصاعدة
يمثل قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين نقطة تحول حساسة، ليس فقط في السياسة الإسرائيلية، بل في علاقة إسرائيل بالمجتمع الدولي. فبينما تراه الحكومة أداة لتعزيز الأمن، يعتبره منتقدوه تشريعًا يهدد أسس العدالة ويقوّض ما تبقى من التوازن القانوني.
ومع اقتراب المعركة القانونية داخليًا وتصاعد الضغوط الخارجية، يبدو أن هذا القانون لن يكون نهاية الجدل، بل بدايته—في ملف قد يعيد تعريف حدود القوة، القانون، والشرعية في واحدة من أكثر مناطق العالم توترًا.






