العدوان الإسرائيلي المتواصل على الضفة الغربية يضع المدنيين أمام مخاطر متصاعدة، تتجاوز حدود المداهمات اليومية لتتحول إلى سياسة منهجية تستهدف البنية الاجتماعية والاقتصادية والأمنية للمجتمع الفلسطيني. الاقتحام الأخير لبلدة يعبد جنوب جنين، وما رافقه من تجريف للشوارع وإغلاق المداخل بالسواتر الترابية، يقدم مثالاً واضحاً على هذه السياسة التي تهدف إلى خنق الحركة اليومية للأهالي وعزلهم عن محيطهم، في مشهد لا يختلف كثيراً عن فرض العقوبات الجماعية.
خطورة الانتهاكات
تحويل منزل رئيس البلدية إلى مركز تحقيق ميداني يعكس خطورة الانتهاكات التي تمارسها قوات الاحتلال، إذ يتم استخدام بيوت المواطنين كأدوات قمعية ومقرات عسكرية، الأمر الذي يحول الفضاء الخاص إلى ساحة تهديد وترهيب. مثل هذه الممارسات تزرع الخوف في النفوس، وتؤكد أن الاحتلال لا يتورع عن تقويض كل ما له علاقة بمؤسسات الحكم المحلي والتمثيل المدني.
من جهة أخرى، فإن اقتحام المنازل واحتجاز المواطنين لساعات طويلة تحت التحقيق يضعهم في مواجهة مباشرة مع التعذيب النفسي والضغط الميداني، وهو ما يشكل خرقاً صارخاً لحقوق الإنسان والقوانين الدولية. هذه السياسات تساهم في تقويض الاستقرار الداخلي، وتزيد من احتمالية اندلاع مواجهات، بما يعرض المدنيين، خصوصاً الأطفال والنساء، لمخاطر الاعتقال أو الإصابة أثناء العمليات العسكرية.
إغلاق البلدة بالسواتر الترابية لا يعني فقط منع التنقل، بل يعيق وصول المرضى إلى المستشفيات، ويحرم الطلبة من التعليم، ويشلّ الحركة الاقتصادية، ما يؤدي إلى خسائر يومية متراكمة تثقل كاهل الأهالي. كما أن هذه الإجراءات تضع القرى والبلدات الفلسطينية في حالة حصار داخلي متكرر، يفاقم الأزمة الإنسانية ويؤدي إلى عزلة اجتماعية ونفسية خانقة.
استنزاف المجتمع الفلسطيني
الأخطر من ذلك أن هذه السياسات تأتي في سياق أوسع من التصعيد في الضفة الغربية، حيث تتكرر الاقتحامات في جنين ونابلس وطولكرم ومناطق أخرى، بهدف تكريس بيئة من الفوضى الأمنية المستمرة، وإبقاء المجتمع الفلسطيني في حالة استنزاف دائم. وفي ظل غياب الحماية الدولية الفاعلة، يجد الفلسطينيون أنفسهم مكشوفين أمام انتهاكات متصاعدة بلا رادع، في وقت تواصل فيه إسرائيل التوسع الاستيطاني، وتعطي غطاءً لممارسات المستوطنين الذين يمارسون العنف بشكل ممنهج ضد السكان.
بهذا، يمكن القول إن المخاطر التي يواجهها أهالي الضفة لا تقتصر على الاقتحامات العسكرية وحدها، بل تمتد إلى سياسة ممنهجة تستهدف محو أي شعور بالأمان، وتحويل الحياة اليومية إلى معركة بقاء، في محاولة لإضعاف النسيج المجتمعي الفلسطيني وفرض واقع جديد من السيطرة الكاملة.





