مع عودة التصريحات النارية ولغة التهديد المتبادل، عاد المشهد بين إسرائيل وإيران إلى دائرة التوتر الشديد، وسط تحركات عسكرية واستنفار أمني يعيد إلى الأذهان أجواء المواجهات القريبة.
في الوقت الذي أعلنت فيه إسرائيل حالة التأهب تحسبًا لأي هجوم انتقامي من إيران، صعّد قادة طهران من لهجتهم، ملوحين برد «أشد قوة وحسم» إذا تعرضت بلادهم لما وصفوه بـ«عدوان جديد».
مناورات مفاجئة في تل أبيب
كشفت وسائل إعلام إسرائيلية، أمس، عن إجراء الجيش الإسرائيلي، يوم الاثنين، سلسلة مناورات مفاجئة شملت محورين رئيسيين؛ الأول يستهدف توجيه رسالة مباشرة لإيران و«حزب الله» بأن إسرائيل «لا تنام»، والثاني يركز على اختبار ورفع الجاهزية العملياتية لأنظمة الدفاع والاستخبارات، بما في ذلك «الموساد» و«الشاباك».
المناورات، التي جرت وسط تكتم نسبي، رافقها انتشار أمني ملحوظ وتقييمات ميدانية أجراها قادة الجيش في قاعدة «غليلوت»، برئاسة قائد الأركان هرتسي هليفي.
تهديدات علنية وتصعيد لفظي
وجاءت هذه الخطوة العسكرية عقب تصريحات مثيرة للجدل أطلقها وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، وجه فيها تهديدًا مباشرًا للمرشد الإيراني علي خامنئي، ملوحًا بإمكانية استهدافه شخصيًا.
التصريحات جاءت ردًا على رسم بياني نشرته وسائل إعلام تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني، تضمن تهديدات باغتيال شخصيات إسرائيلية بارزة، من بينها كاتس نفسه.
في المقابل، لم تتأخر طهران في الرد، إذ أعلن رئيس الأركان الإيراني عبد الرحيم موسوي أن القوات الإيرانية في «حالة استعداد كامل» لمواجهة أي تهديد، متوعدًا برد «أكثر قوة وحسمًا» إذا تم استهداف بلاده.
كما أكد وزير الدفاع الإيراني عزيز نصير زاده أن الأجهزة العسكرية «تراقب عن كثب تحركات العدو» وأن طهران «على أهبة الاستعداد لأي مغامرة جديدة» قد تقدم عليها إسرائيل.
ويعيد هذا التصعيد المتبادل إلى واجهة الأحداث مخاوف اندلاع مواجهة مفتوحة في المنطقة، لا سيما مع استمرار النزاعات في ساحات أخرى مثل لبنان وسوريا واليمن، ودعت عدد من العواصم الغربية الطرفين إلى ضبط النفس وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة قد تكون عواقبها وخيمة على استقرار الشرق الأوسط.
مواجهة حتمية أم جولة جديدة من التهديدات؟
ورغم أن التهديدات المتبادلة بين إسرائيل وإيران ليست جديدة، فإن حدتها الأخيرة، مقرونة بالمناورات العسكرية والتصريحات المباشرة باستهداف القيادات، تثير تساؤلات حول ما إذا كانت المنطقة أمام حرب تلوح في الأفق، أم أن الأمر لا يعدو كونه جولة أخرى من الحرب النفسية والتصعيد الإعلامي المعتاد بين الجانبين.
وشهدت العلاقة بين إسرائيل وإيران توترات متصاعدة منذ الثورة الإسلامية عام 1979، حيث انتقلت من العداء السياسي إلى المواجهة غير المباشرة عبر ساحات متعددة مثل لبنان وسوريا وغزة. ومع صعود نفوذ إيران الإقليمي ودعمها لجماعات مسلحة، أصبحت المواجهة مع إسرائيل أكثر تعقيدًا وتشابكًا مع الملفات الإقليمية الأخرى.
ويمثل الوجود الإيراني في سوريا والدعم المستمر لـ«حزب الله» في لبنان أحد أبرز دوافع التصعيد الإسرائيلي. فتل أبيب ترى في هذه التمركزات تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، فيما تعتبر طهران ذلك جزءًا من استراتيجيتها لردع أي هجوم محتمل. ولهذا، أصبحت الجبهات الشمالية لإسرائيل على تماس مباشر مع النفوذ الإيراني.
وقد تترك أي مواجهة مباشرة بين الطرفين آثارًا كارثية على أسواق الطاقة العالمية، خصوصًا إذا امتد الصراع إلى الخليج أو استهدف خطوط الملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز. كما أن التوتر قد يفتح المجال أمام موجات جديدة من عدم الاستقرار الأمني، تدفع ثمنها دول المنطقة في صورة أزمات لجوء وأوضاع إنسانية متدهورة.
وتبقى الولايات المتحدة الحليف الأبرز لإسرائيل، في حين تعتمد إيران على شبكة علاقات مع روسيا والصين لتعزيز موقفها السياسي والعسكري. هذا التوازن الدولي يجعل أي تصعيد عسكري بين الجانبين ملفًا معقدًا على طاولة القوى الكبرى، التي تحاول الموازنة بين مصالحها الاقتصادية وأولوياتها الأمنية.
سيناريوهات محتملة
ويطرح المراقبون عدة سيناريوهات للفترة المقبلة، تبدأ من استمرار التهديدات والمناورات في إطار «حرب باردة» إقليمية، مرورًا بضربات محدودة تستهدف مواقع عسكرية أو شخصيات قيادية، وصولًا إلى مواجهة واسعة النطاق يصعب السيطرة عليها. وفي جميع الحالات، يظل الشرق الأوسط ساحة مفتوحة على كل الاحتمالات.






