في خطوة تضيف ورقة جديدة إلى مفاوضات شديدة الحساسية بين واشنطن وطهران، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه سيطالب إيران بتعويضات عن الأشخاص الذين يقول إنهم قُتلوا أو أصيبوا نتيجة أعمال إيرانية خلال العقود الماضية.
وجاء الإعلان في وقت تحاول فيه الولايات المتحدة وإيران التوصل إلى تفاهم بشأن إنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة، بينما تضع طهران بدورها شروطًا مالية وسياسية واسعة لأي اتفاق.
ترامب يرد على المطالب الإيرانية
نشر ترامب موقفه الاثنين على منصة Truth Social، بعدما أعلن مسؤولون إيرانيون أن طهران تريد تعويضات عن الأضرار التي لحقت بها خلال الأشهر الخمسة من الحرب.
وقال ترامب إن المطالبة الإيرانية بالتعويضات كانت “فكرة مثيرة للاهتمام”، لكنه قرر استخدامها في الاتجاه المعاكس، معلنًا أنه وجّه ممثليه إلى طرح مطالبة أميركية بالتعويضات في أي مفاوضات مقبلة.
وتشمل المطالبة، وفق ما ذكره ترامب، عائلات الأميركيين الذين قُتلوا في صراعات وهجمات نسبت إلى إيران أو جماعات مرتبطة بها، إضافة إلى عائلات محتجين إيرانيين قال إن السلطات الإيرانية قتلتهم خلال العقود الماضية.
كما أشار إلى ضحايا الهجوم على المدمرة الأميركية USS Cole في اليمن عام 2000، وإلى آلاف آخرين قُتلوا في مواجهات عسكرية.
رقم 52 ألفًا يثير الجدل
ذهب ترامب أبعد من ذلك عندما تحدث عن 52 ألف شخص قال إنهم قتلوا خلال الأشهر الخمسة الماضية، مطالبًا بأن تدخل هذه الخسائر ضمن حساب التعويضات.
لكن هذا الرقم، مثل عدد من الأرقام التي ترد في الخطاب السياسي المرتبط بالحرب، يحتاج إلى تدقيق مستقل قبل التعامل معه باعتباره حصيلة نهائية للضحايا. وتعرضت أرقام الخسائر البشرية في الحرب لمعلومات متضاربة منذ اندلاعها.
لذلك، فإن الأهم سياسيًا في تصريح ترامب ليس الرقم بحد ذاته، بل تحويل ملف التعويضات إلى مطلب أميركي معلن داخل أي تسوية مستقبلية.
طهران تضع ثمنًا لإعادة فتح هرمز
الموقف الأميركي جاء ردًا على قائمة مطالب إيرانية واسعة مرتبطة بإعادة فتح مضيق هرمز.
وتطالب طهران، بحسب ما نقلته تقارير عن شروطها، بإنهاء الأعمال العسكرية والعدوان، ورفع الحصار والعقوبات، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، إضافة إلى الحصول على تعويضات عن الأضرار التي لحقت بإيران خلال الحرب.
وتكتسب هذه المطالب أهمية استثنائية لأن مضيق هرمز ليس مجرد نقطة خلاف بين دولتين، بل أحد أهم ممرات الطاقة والتجارة في العالم. وأي استمرار لإغلاقه أو تقييد حركة السفن عبره ينعكس سريعًا على أسعار النفط والتأمين والشحن والأسواق العالمية.
من مفاوضات الحرب إلى مفاوضات الحساب
ما يحدث الآن يكشف تحولًا لافتًا في طبيعة المفاوضات.
فبدل أن تتركز المحادثات على سؤال واحد: كيف تنتهي الحرب؟، تتسع الطاولة لتشمل سؤالًا أكثر تعقيدًا: من يدفع ثمن الحرب؟
إيران تريد تعويضات عن الدمار الذي أصاب أراضيها، بينما يرد ترامب بأن واشنطن لديها أيضًا قائمة طويلة من الضحايا والأضرار التي تريد تحميل طهران مسؤوليتها.
وهكذا يتحول ملف التعويضات من مطلب إيراني إلى ورقة تفاوضية متبادلة، الأمر الذي قد يجعل الوصول إلى اتفاق سريع أكثر صعوبة.
ترامب يراهن على الضغط الاقتصادي
وفي موازاة التصعيد السياسي، يبدو أن ترامب لا يريد في هذه المرحلة الاعتماد فقط على القوة العسكرية.
فقد قال الأحد إنه لا يحتاج إلى عملية عسكرية واسعة أو جهد دبلوماسي استثنائي، وإن الولايات المتحدة تراقب الضغوط الاقتصادية التي تواجه إيران، بما في ذلك التضخم وتراجع الموارد المالية.
وتكشف هذه التصريحات عن استراتيجية تقوم على إبقاء الضغط الاقتصادي والعسكري قائمًا، مع ترك باب التفاوض مفتوحًا.
هرمز في قلب المعادلة
يبقى مضيق هرمز العنصر الأكثر حساسية في هذه المواجهة.
فالولايات المتحدة تريد عودة الملاحة، بينما تستخدم إيران السيطرة على الممر البحري كورقة ضغط للحصول على تنازلات سياسية واقتصادية.
وفي هذه المعادلة، لا يبدو أن أيًا من الطرفين مستعد لتقديم تنازل مجاني. طهران تريد ثمنًا لإنهاء القيود على الملاحة، وترامب يريد أن يكون للولايات المتحدة ثمن مقابل إنهاء الحرب والضغط على إيران.
وبينما يتبادل الطرفان قوائم المطالب، يبقى السؤال الحقيقي: هل يمكن تحويل هذه المطالب المتناقضة إلى صفقة واحدة، أم أن ملف التعويضات سيصبح عقبة إضافية أمام إعادة فتح هرمز وإنهاء الحرب؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات على اتفاق نهائي، فيما تبدو المفاوضات أمام مرحلة أكثر تعقيدًا، بعدما انتقل الصراع من ساحات القتال إلى طاولة الحسابات المالية والسياسية.






