يأتي الاقتحام الواسع والمنظّم للمسجد الأقصى، بقيادة وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، في سياق تصعيد سياسي وديني خطير لم تشهده المدينة المقدسة بهذا الشكل العلني والمكثف منذ سنوات. هذه الخطوة، التي رافقها أداء طقوس تلمودية ورقصات داخل باحات المسجد، لم تكن مجرد استفزاز رمزي عابر، بل جاءت ضمن محاولة واضحة لتكريس وقائع جديدة في المسجد الأقصى، بالتوازي مع تسريع مشروع التهويد والتمهيد لتقسيمه زمنيًا ومكانيًا، على غرار النموذج الذي فُرض في الحرم الإبراهيمي بالخليل.
شرعية دينية زائفة
وجود بن غفير نفسه، وهو أحد أكثر الشخصيات تطرفًا في الحكومة الإسرائيلية الحالية، ليس تفصيلًا شكليًا، بل مؤشر مباشر على الانتقال من سياسة “غض الطرف” عن الاقتحامات إلى دعم رسمي حكومي معلن، يجعل من هذه الاستفزازات جزءًا من السياسة العامة لدولة الاحتلال. وتزداد خطورة المشهد حين يكون الاقتحام متزامنًا مع ما يُسمى “ذكرى خراب الهيكل” في الرواية التوراتية، حيث توظَّف الرمزية الدينية في سياق سياسي إحلالي، يستهدف إضفاء شرعية دينية زائفة على السيطرة على المسجد الأقصى وتغيير طابعه وهويته الإسلامية.
تصريحات بن غفير من داخل باحات الأقصى، والتي قال فيها: “الأقصى لليهود وسنبقى هنا إلى الأبد”، لا تعكس فقط توجهًا عنصريًا واستفزازيًا، بل تُعد أيضًا إعلانًا سياسيًا صريحًا يتجاوز كل الخطوط الحمراء الدينية والدبلوماسية. هذه التصريحات تأتي في ظل صمت أو تواطؤ دولي مستمر، وتجاهل لقرارات منظمة اليونسكو التي تعتبر الأقصى تراثًا إسلاميًا خالصًا لا يقبل التأويل أو المشاركة.
خطة هدم المسجد الأقصى
تحذيرات محافظة القدس من خطورة هذا الاقتحام لا تخرج من فراغ؛ فالعدد غير المسبوق للمستوطنين المشاركين، والقمع الذي طال المصلين والطواقم الصحفية، يعكس حالة من الإصرار على فرض مشهد جديد في الأقصى، تكون فيه السيادة الفعلية للمستوطنين، ولو على مراحل. ويبدو أن جماعات “الهيكل” المتطرفة، التي تحظى بدعم واضح من أعضاء في الحكومة، تحاول جعل الثالث من أغسطس نقطة تحول في مسار الاقتحامات، بما يشبه اختبارًا مفتوحًا لرد الفعل الشعبي الفلسطيني والموقف العربي والإسلامي.
في هذا السياق، تبرز مخاوف حقيقية من أن تكون هذه التحركات جزءًا من خطة أوسع لهدم المسجد الأقصى في مرحلة لاحقة، تحت ذرائع دينية أو أمنية أو حتى “أثرية”. وليس من المصادفة أن يأتي هذا التصعيد في وقت تتجه فيه الأنظار إلى قطاع غزة والمجازر الجارية هناك، ما يمنح الاحتلال مساحة أكبر لتوسيع تهويد القدس دون ضغوط سياسية أو تغطية إعلامية كافية.
الاقتحام الأخير ليس حدثًا عابرًا، بل تتويج لمسار طويل من السياسات الإسرائيلية الرامية لتغيير هوية القدس، وإضعاف الوجود الإسلامي في المسجد الأقصى، عبر سلسلة من الخطوات تبدأ بالتقسيم الزماني، وتمر عبر شرعنة الاقتحامات، وتنتهي عند محاولة فرض السيادة الدينية الكاملة، وصولًا إلى مشروع “الهيكل” المزعوم.
الاقتحامات خط أحمر
وفي ظل هذا المشهد، يصبح من الواضح أن الاحتلال يسعى لاختبار حدود ردود الفعل، ودفع الفلسطينيين نحو مواجهة دينية مفتوحة، تُستثمر لاحقًا لتبرير مزيد من العنف والقمع والتهجير، بحجة “الدفاع عن المقدسات اليهودية”، ضمن رواية دينية مختلقة ومفروضة بالقوة المسلحة.
الموقف الفلسطيني الرسمي والشعبي، كما الموقف العربي والإسلامي، أمام اختبار حقيقي. فإما أن يتم التعامل مع هذه الاقتحامات كخط أحمر لا يمكن تجاوزه، وإما أن تُصبح هذه الاقتحامات مشهدًا اعتياديًا يسبق التحوّل الأكبر في مصير المسجد الأقصى، بما لذلك من تبعات كارثية على هوية المدينة ومكانتها، وعلى مستقبل الصراع في فلسطين والمنطقة بأكملها.





