يقف الاستحقاق النيابي في لبنان عند مفترق بالغ الحساسية، في ظل إصرار الرؤساء الثلاثة على الالتزام بالمواعيد الدستورية، مقابل تشابك معقد لعوامل داخلية وإقليمية تجعل مصير الانتخابات المقبلة مفتوحاً على احتمالين متساويين: الإنجاز أو التأجيل
ويؤكد رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، بالتوافق مع رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام، أن الانتخابات النيابية ستُجرى في موعدها المحدد خلال مايو/ أيار المقبل، باعتبارها مدخلاً أساسياً لإعادة الانتظام إلى مؤسسات الدولة، ورسالة سياسية في الداخل والخارج بأن لبنان لا يزال قادراً على احترام استحقاقاته الدستورية، بعيداً عن أي رهانات إقليمية.
استعدادات لوجيستية وخلافات قانونية
وأكد مصدر وزاري بارز، أن وزارة الداخلية والبلديات أنجزت الاستعدادات الإدارية واللوجيستية لإجراء الانتخابات وفق قانون الانتخاب النافذ حالياً، نافياً وجود أي نية رسمية للتراجع عن الموعد المحدد.
غير أن الخلاف الأساسي لا يزال يتمحور حول آلية اقتراع اللبنانيين في الخارج، ولا سيما مسألة الدائرة السادسة عشرة المخصصة لتمثيل الاغتراب، وما إذا كان سيتم تعليق العمل بها مقابل اعتماد الدوائر الـ15 داخل لبنان.
ويشير المصدر إلى أن تمرير أي تعديل يتطلب انعقاد المجلس النيابي في جلسة تشريعية، للنظر في مشروع القانون الذي أحالته الحكومة بصفة المعجل المكرر، لافتاً إلى أن عدم انعقاد الجلسة يعني حكماً إجراء الانتخابات وفق الصيغة الحالية، مع احتمال تأجيل تقني محدود لإتاحة مشاركة المغتربين.
«حصرية السلاح» والرهانات الدولية
ورغم الطابع الإداري والقانوني للخلافات، يظل العامل الأمني حاضراً بقوة في خلفية المشهد، وتحديداً ملف «حصرية السلاح» الذي يتصدر اهتمام المجتمعين الدولي والعربي.
وتربط جهات سياسية عدة بين إنجاز الانتخابات والتقدم في هذا الملف، في ظل مراقبة دقيقة لموقف «حزب الله» والتزامه بعدم استخدام سلاحه أو نقله خارج إطار «الاحتواء» القائم حالياً.
وتلفت مصادر سياسية إلى أن الموفدين الدوليين والعرب، وعلى رأسهم وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، ركزوا خلال زياراتهم الأخيرة إلى بيروت على الإصلاحات الاقتصادية وحصرية السلاح، متجنبين الخوض علناً في ملف الانتخابات، في مؤشر على أولوية الاستقرار الأمني على أي استحقاق سياسي آخر.
حسابات القوى السياسية
في المقابل، يتمسك «الثنائي الشيعي» بإجراء الانتخابات في موعدها، في محاولة لتجديد شرعيته الشعبية، ونفي الاتهامات بتراجع حضوره السياسي، بينما ترى قوى أخرى أن الالتزام بالموعد يبقى رهناً بتطورات المفاوضات الأميركية – الإيرانية، واحتمالات التصعيد في الإقليم، وما قد يفرضه ذلك من تداعيات مباشرة على الساحة اللبنانية.
ويذهب مصدر سياسي وسطي إلى أن أي تدخل عسكري لـ«حزب الله» دعماً لإيران بات مستبعداً، في ظل تحذيرات دولية واضحة للحزب، وخشية من رد إسرائيلي واسع قد يعيد خلط الأوراق الداخلية، لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن توسع العمليات العسكرية الإسرائيلية جنوباً قد يشكل العائق الأكبر أمام إجراء الانتخابات، عبر عزل مناطق بكاملها وتعطيل العملية الانتخابية عملياً.
وتأتي الانتخابات النيابية المرتقبة في لبنان في ظل أزمة سياسية واقتصادية ممتدة، أعقبت سنوات من الشلل المؤسسي والانقسامات الحادة حول طبيعة النظام السياسي ودور القوى المسلحة خارج إطار الدولة.
تحديات مضاعفة أمام الانتخابات
وعلى الرغم من إجراء الانتخابات الأخيرة في موعدها، فإن الاستحقاق الجديد يواجه تحديات مضاعفة، أبرزها استمرار الخلاف حول قانون الانتخاب وآلية اقتراع اللبنانيين في الخارج، إلى جانب هشاشة الوضعين المالي والخدماتي.
ويُضاف إلى التعقيدات الداخلية عامل إقليمي ضاغط، يتمثل في تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، ولا سيما مسار المفاوضات الأميركية–الإيرانية، وانعكاساتها المحتملة على الساحة اللبنانية.
ويُعد ملف «حصرية السلاح» من أبرز النقاط الخلافية، إذ يشكل محور اهتمام المجتمعين الدولي والعربي، ويرتبط بشكل وثيق بمدى الاستقرار الأمني اللازم لإنجاز أي استحقاق انتخابي في موعده.
وفي المقابل، يحرص رئيس الجمهورية جوزيف عون على تثبيت مبدأ احترام المواعيد الدستورية، باعتباره مدخلاً أساسياً لإعادة الانتظام إلى مؤسسات الدولة، ومنع تكريس سابقة التمديد للمجلس النيابي.
ويُنظر إلى هذا الاستحقاق بوصفه اختباراً لجدية العهد الجديد في الانتقال من إدارة الأزمات إلى تثبيت مسار سياسي ودستوري يعيد بناء الثقة داخلياً وخارجياً.






