في مشهد إنساني بالغ القسوة، يعكس حجم المأساة التي يعيشها سكان قطاع غزة، تحوّلت خيام النازحين إلى مصائد للموت مع اشتداد الرياح العاتية وهطول الأمطار الغزيرة، لتترك آلاف الأسر في العراء تصارع البرد والجوع والخوف. أطفال يرتجفون من شدة الصقيع، ومسنون يواجهون العجز بلا مأوى آمن، وأمهات يحتضن صغارهن في محاولة يائسة لسرقة بعض الدفء من ليلٍ طويل لا يرحم.
هنا، في المواصي وخان يونس وسائر بقاع النزوح، لا تُختبر فقط قسوة الطقس، بل تُختبر إنسانية العالم بأسره، في ظل خيام مهترئة لا تقي حرًا ولا بردًا، وحصار يحرم المنكوبين من أبسط مقومات الحياة، ليبقى النازح الغزي وحيدًا في مواجهة العاصفة، جسدًا وروحًا.
شهادات مؤلمة للنازحين من قلب الخيام
من أرض الواقع، نرصد معاناة الفلسطينيين، في ظل البرد القارص، إذ قال النازح من رفح إلى خان يونس أيمن حسين (59 عاما) إنه قضى ليلة من أسوأ أيام عمره عندما اقتلعت الرياح العاتية خيمته، حيث أمضى ليلته في البرد القارس، منوها إلى أن ما زاد معاناته وجود والدة زوجته المقعدة في الخيمة التي تهشمت بالكامل من شدة الرياح التي تجاوزت 100 كم في الساعة حسب تقديرات دائرة الأرصاد الجوية الفلسطينية. حسب وكالة الأنباء الفلسطينية.
وأضاف أنه قبل كل منخفض يثبّت خيمته بشكل جيد، ولكن شدة الرياح تقتلعها، الأمر الذي يؤكد أن الخيام لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء، لافتا إلى أنه لم يشهد في حياته قوة الرياح التي ضربت الخيام خلال الليلة الماضية وجعلتها كومة واحدة فوق بعضها. وطالب حسين المؤسسات الدولية كافة بنقل معاناة النازحين إلى المجتمع الدولي، ووضع حد لمعاناة الغزيين وإنهاء ظاهرة الخيام التي باتت لا تصلح للحياة، وإدخال بيوت متنقلة (كرفانات) كحل مؤقت إلى حين بدء إعادة الإعمار.
وحسب وفا، أشار النازح من رفح أبو إياد الصرفندي إلى أنه لم تغمض له عين وهو يحاول مع أبنائه تهدئة روع والدته المسنة التي انتابتها حالة من الخوف الشديد في ظل تزحزح خيمتهم يمينا وشمالا وارتفاع صوت أمواج البحر، رغم وجود مسافة لا تقل عن مئة متر عن مخيمهم.
وشدد النازح الصرفندي، على أن ما خلّفته الرياح من دمار وخراب في الخيام بأنواعها يشكّل رسالة واضحة إلى العالم أجمع بأن الخيام لا تصلح الحياة فيها وعلى العالم أجمع التحرك لوضع حد لمعاناة النازحين.
نقص حاد في وسائل التدفئة
أما النازح من شرق خان يونس نائل أبو دقة، أكد أن طفلته قمر التي لم يتجاوز عمرها الأسبوعين تحول لونها إلى الأزرق من شدة البرد، الأمر الذي استدعى نقلها إلى المستشفى، منوها إلى أنه لم يجد أمامه إلا البكاء ليعبّر عن عجزه وعدم قدرته على فعل شيء لطفلته في ظل غياب وسائل التدفئة بأنواعها.
ويواجه النازحون البرد القارس دون أغطية كافية أو فراش يحميهم من الأرض والرطوبة، لا سيما الأسر المقيمة في خيام مهترئة أو في مناطق نائية ومعزولة، حيث تتجاوز نسبة النقص في الأغطية ووسائل التدفئة 70% على مستوى القطاع، وترتفع إلى نسب أخطر في المناطق النائية.
وحذرت غرفة العمليات الحكومية للتدخلات الطارئة في المحافظات الجنوبية من خطورة الوضع الإنساني في قطاع غزة جراء المنخفض الجوي المصحوب بأمطار غزيرة ورياح شديدة، مشيرة إلى أن حياة مئات آلاف النازحين مهددة بشكل مباشر، خصوصًا الأطفال وكبار السن والمرضى.
البرد يحصد أرواح الأطفال
وأفادت الغرفة بوفاة طفلين جرّاء البرد الشديد، ليصل عدد الأطفال الضحايا منذ بداية الشتاء إلى 6، نتيجة الاعتماد على الخيام غير القادرة على توفير الحماية، وسط تعنّت الاحتلال ورفضه السماح بإدخال الوحدات السكنية مسبقة الصنع ومواد إعادة الإعمار.
وأكدت الغرفة أنه في ظل الدمار الواسع الذي خلّفه العدوان، والذي طال نحو 355 ألف وحدة سكنية بدرجات متفاوتة كليًا أو جزئيًا، يضطر آلاف المواطنين إلى العيش داخل بيوت مدمّرة جزئيًا تشكّل خطرًا مباشرًا على حياتهم، خصوصًا كبار السن والأطفال، حيث تسبّب المنخفض الجوي الحالي في وقوع خمسة شهداء حتى اللحظة جرّاء انهيارات جزئية لمبانٍ سكنية متضرّرة من الحرب في عدد من مناطق القطاع.
وطالبت الغرفة المجتمع الدولي والأمم المتحدة بالضغط الفوري على الاحتلال للسماح بإدخال الوحدات السكنية مسبقة الصنع ومواد الإيواء والإعمار، واصفة ذلك بأنه الحل الطارئ الوحيد القادر على حماية أرواح النازحين.
وأعلنت مصادر طبية في قطاع غزة وفاة 6 مواطنين، أمس الثلاثاء، بينهم طفلان بسبب المنخفض الجوي الذي يضرب القطاع منذ فجر اليوم، في حين حذّر المتحدث باسم الدفاع المدني محمود بصل، من تداعيات كارثية تهدد نحو 1.5 مليون فلسطيني. حسب الجزيرة.





