تشير تصريحات وكالة «أونروا» عن ارتفاع مخاطر الجفاف في قطاع غزة إلى منعطف إنساني بالغ الخطورة، لأنّها تربط بين موجة حرّ استثنائية تضرب المنطقة وبين انهيار منظومة المياه والطاقة، ما يجعل العطش مرضًا قاتلًا لا مجرّد ضائقة معيشية. عمليًا، اقتران درجات حرارة تتجاوز 40° مئوية مع شحّ حادّ في المياه يعني قفزة سريعة في حالات الجفاف وضربات الحرّ، خصوصًا لدى الأطفال والمسنّين والمرضى، في بيئة مكدّسة تُعطّل فيها الكهرباء والوقود كل وسائل التبريد والتعقيم والحفظ الغذائي.
مخاطر الجفاف في غزة
منشورات حديثة لـ«أونروا» تحدثت صراحة عن حرارة «فوق 40°» وازدياد حالات الجفاف، فيما كانت قد حذّرت قبل أسابيع من أنّ أقل من نصف منشآت إنتاج مياه الشرب ما زالت تعمل، وهو مستوى لا يواكب نموّ الاحتياج ولا يعوّض تدمير الشبكات والتسريب الواسع في الأنابيب. هذه الصورة تُترجم ميدانيًا إلى نقص حاد في مياه الشرب النظيفة، وتفاقم أمراض الإسهال والجلد والتهابات الكبد المرتبطة بالمياه الملوّثة، ومعها ارتفاع وفيات «يمكن منعها» لو توافرت المياه والطاقة وخدمات الصحة العامة.
الدلالة الثانية لرسالة «أونروا» هي أنّ «وقف إطلاق النار» لم يعد مطلبًا سياسيًا بقدر ما هو شرط بقاءٍ للصحة العامة. فمن دون تهدئة مستدامة وتأمين وقود وكهرباء، يستحيل تشغيل محطات التحلية والآبار والمحطات الفرعية ومضخّات الصرف الصحي، كما يتعذّر على فرق الصيانة الوصول الآمن لإصلاح الأعطال، وهو ما وثّقته تقارير أممية وخبرية عن انهيار البنية التحتية المائية وتلوّث الخزّانات الجوفية وانقطاع الإمداد عبر الخطوط الإسرائيلية.
تعطّل السلاسل اللوجستية
هذا «الخنق الخدمي» يحوّل الحرارة إلى سلاح مضاعِف للأذى: كلّ دقيقة تأخير في إدخال الوقود تعني ماءً أقل وتعقيمًا أضعف وطعامًا يفسد أسرع. لذلك تربط وكالات أممية بين وقف النار وفتح ممرّات إنسانية آمنة ودائمة باعتبارها حزمة واحدة لا تنجح عناصرها منفردة.
ثالثًا، تضيف تصريحات «أونروا» بُعدًا غذائيًا قاسيًا للأزمة المائية. فالعطش لا يأتي وحيدًا؛ إذ يُضعِف الجسم ويقوّض القدرة على تحمّل الجوع، فيما تشير تقديرات منظمات أممية إلى أنّ مؤشرات الجوع وسوءَ التغذية في غزة تجاوزت بالفعل عتبات «الـمجاعة» في مناطق عدّة، لكنّ الاستجابة تُشلّ بفعل عراقيل الدخول، وتعطّل السلاسل اللوجستية، وتبدّل القواعد والإجراءات على المعابر. النتيجة.
كما تُظهر تقارير ميدانية حديثة، أنّ مئات الشاحنات، بما فيها شحنات غذاء ومياه ومستلزمات طبية، عالقة في العريش وعلى الطرقات أو تُعاد أدراجها لأسباب إجرائية ولوجستية، ما يحرم السكان وصولًا منتظمًا وكافيًا للمؤن. هنا يصبح الجفاف مُضاعِفًا لمخاطر سوء التغذية الحاد، وخصوصًا لدى الأطفال دون الخامسة الذين تُحذّر «أونروا» و«يونيسف» من تعرضهم الواسع لسوء التغذية الحاد والوخيم.
حرمان المدنيين من المياه
رابعًا، تحمل التحذيرات بُعدًا قانونيًا وأخلاقيًا؛ فحرمان المدنيين من المياه وإعاقة وصول الإغاثة يضربان جوهر القانون الدولي الإنساني الذي يفرض تسهيل مرور المساعدات «دون عوائق» ويمنع استخدام التجويع أو العطش كأساليب حرب. في الأسابيع الأخيرة أدان خبراء أمميون «التعطيش المتعمَّد» ودعوا إلى إعادة تفعيل منظومة الأمم المتحدة الإنسانية في غزة على نحو يسمح بردع المجاعة والوبائيات، وهو ما يمنح تصريحات «أونروا» وزنًا قانونيًا يتجاوز التعبير عن معاناة إلى توثيق نمطٍ منهجيّ يستوجب مساءلة.
خامسًا، سياسيًا، تشير رسالة «أونروا» إلى فشل مقاربة «الهدن المؤقتة» أو «نوافذ المعابر» أمام أزمة مركّبة متحركة بسرعة الطقس. موجات الحرّ لا تنتظر قوائم التفتيش؛ إذ تتسبّب خلال أيام بارتفاع معدلات الجفاف والوفيات، ما يفرض انتقالًا فوريًا من «إدخال كميات رمزية» إلى «تدفّق مُستدام وقابل للتنبؤ» يتضمّن الوقود، والمياه، ومستلزمات إصلاح الشبكات. ومن دون هذا التحوّل، ستبقى عمليات التوزيع مكشوفة المخاطر أمام قيود الحركة والاستهداف، كما ستبقى المستودعات مليئة والبيوت فارغة. بذلك، يصبح «وقف إطلاق النار» ليس فقط إطارًا تفاوضيًا، بل آلية تشغيل لجميع خطوط الحياة: التحلية، الضخ، التبريد، التبريد الدوائي وسلسلة التوريد الغذائية.
تمكينٍ فعلي لمرور المساعدات
أخيرًا، تقرأ تصريحات «أونروا» كإنذار أخير قبل عبور عتبة «أزمات لا رجعة فيها». فالتعرّض الطويل للعطش والملوحة العالية يدمّر الكُلى ويُضعف المناعة، وتسرّب مياه الصرف غير المعالجة إلى الآبار يخلق بؤرًا وبائية يصعب احتواؤها لاحقًا، فيما يهدّد الانهيار الهيكلي لشبكات المياه والصرف بأضرار تمتد لسنوات وتضرب مقومات التعافي وإعادة الإعمار.
إنّ الرسالة الجوهرية في إحاطة «أونروا» هي أنّ الزمن أصبح هو العدو الأبرز: كلّ يوم بلا ماء وكهرباء ووقود يراكم وفياتٍ يمكن منعها، ويعمّق مجاعةً يمكن كسرها بقرار سياسي يفتح الطريق لوقف النار، وتمكينٍ فعليّ لمرور المساعدات بلا قيود، واستعادة القدرة التقنية على إنتاج وتوزيع مياه آمنة. عند هذه النقطة، لا يعود السؤال «كم شاحنة دخلت؟» بل «هل عادت دورة الماء والغذاء والكهرباء إلى حدٍّ يؤمّن الحياة؟». وهذا بالضبط ما تهدف «أونروا» إلى تسليط الضوء عليه في تحذيرها الأخير.






