زيارة وفد حركة «حماس» إلى القاهرة برئاسة خليل الحية تطرح إشكالية مزدوجة تتعلق بعلاقات الحركة مع الوسيط المصري وبأولويات العمل السياسي في ظل الدمار الواسع الذي لحق بقطاع غزة. فبعد تصريحات الحية التي تضمنت لهجة اعتبرتها أوساط مصرية رسمية وشعبية «اتهاماً صريحاً» للقاهرة بإغلاق معبر رفح، برزت حالة من الاستياء العلني، عززتها دعوات صدرت باسم فصائل فلسطينية — من بينها «حماس» — لتحريك الجماهير نحو المعبر للضغط على مصر، وهي دعوات فسّرها مراقبون على أنها محاولة لتصدير الأزمة الداخلية في غزة إلى حدود مصر وتحويل الأنظار عن المسبّب الفعلي لمعاناة القطاع، وهو الحصار الإسرائيلي.
حملات التحريض
ورغم أن الحركة نفت وجود أي أزمة مع مصر، مؤكدة أن العلاقة «وطيدة وراسخة»، فإن سلوكها السياسي والإعلامي في الأسابيع الماضية يكشف تناقضاً بين خطابها المعلن وحملات التحريض غير المباشرة التي ظهرت على منصات التواصل الاجتماعي أو في بيانات مشتركة مع فصائل أخرى. هذا النهج، بحسب محللين، يضعف فرص التقدم في مفاوضات وقف إطلاق النار التي ترعاها القاهرة، ويعقّد مهمة الوسيط الذي يعمل ضمن بيئة سياسية وأمنية بالغة الحساسية.
الخبراء المصريون، ومنهم اللواء سمير فرج، يؤكدون أن القاهرة — بحكم مكانتها ودورها التاريخي في الملف الفلسطيني — لن تسمح لتصريحات انفعالية أو حملات إعلامية أن تُخرجها عن مسار دعم القضية، لكنها في الوقت ذاته تضع أمنها القومي في صدارة الأولويات، ولن تتساهل مع أي تحريض أو محاولات لتأليب الشارع المصري. هذه المعادلة تجعل من استمرار «حماس» في نهج التصعيد اللفظي أو السياسي خطوة غير محسوبة العواقب، خصوصاً في وقت تحتاج فيه غزة إلى جهود دبلوماسية مكثفة لتخفيف الكارثة الإنسانية.
مأزق في إدارة حماس
الأزمة الأخيرة تكشف عن مأزق أوسع في إدارة «حماس» للمعركة السياسية بالتوازي مع الحرب الميدانية؛ إذ بدلاً من توحيد المواقف مع الشركاء الإقليميين لضمان وقف إطلاق النار، تنخرط الحركة أحياناً في سجالات جانبية تضر بعلاقتها مع أهم وسيط عربي، ما قد يطيل أمد النزاع ويفاقم معاناة سكان القطاع. ومع استمرار سقوط الضحايا ودمار البنية التحتية، تبرز الحاجة الملحّة لأن تعيد «حماس» ضبط خطابها وتحركاتها بما يخدم هدفاً واحداً وواضحاً: وقف الحرب وفتح مسار جاد لإعادة الإعمار، بعيداً عن افتعال أزمات مع الأطراف التي يمكن أن تساهم في تحقيق ذلك.






