حذرت السلطة الفلسطينية من أن أي قرار إسرائيلي بقطع العلاقات البنكية مع المصارف الفلسطينية ستكون له تداعيات مباشرة على الحياة اليومية للفلسطينيين، معتبرة أن الخطوة، إذا نُفذت، ستؤثر في قدرة المؤسسات على توفير الخدمات الأساسية، وتأتي ضمن ضغوط اقتصادية متصاعدة تواجهها الضفة الغربية.
وقال وزير المالية والتخطيط الفلسطيني، اسطفان سلامة، إن التهديدات الإسرائيلية تمثل “تجاوزاً لكل الخطوط الحمراء”، مؤكداً أن الحكومة تعمل في الوقت نفسه على احتواء أزمة الوقود وأزمة السيولة من خلال حزمة إجراءات مالية وإدارية.
تحذير من شلل في الخدمات الأساسية
خلال مؤتمر صحفي في رام الله، اعتبر سلامة أن أي وقف للعلاقات البنكية بين الجانبين لن يقتصر أثره على القطاع المالي، بل سيمتد إلى قطاعات حيوية تشمل الكهرباء والمياه والمحروقات والخدمات الأساسية.
وقال إن الحكومة الفلسطينية وصلت إلى “مرحلة حرجة” في علاقتها الاقتصادية مع إسرائيل، مشيراً إلى أن القيود المالية المتزايدة تجعل استمرار تقديم الخدمات العامة أكثر صعوبة.
ويرى مسؤولون فلسطينيون أن الإجراءات الاقتصادية الإسرائيلية تندرج ضمن سياسة تستهدف إضعاف الاقتصاد الفلسطيني وتقليص قدرة مؤسسات السلطة على أداء مهامها.
أزمة مالية متواصلة بسبب أموال المقاصة
أرجع وزير المالية الأزمة الحالية إلى استمرار احتجاز إسرائيل أموال المقاصة، التي تشكل المصدر الرئيسي لإيرادات الخزينة الفلسطينية.
وأوضح أن السلطة الفلسطينية أمضت خمسة عشر شهراً دون الحصول على كامل مستحقاتها، وهو ما أدى إلى اتساع الفجوة بين الإيرادات والنفقات.
وبحسب الوزير، لا يتبقى للحكومة بعد سداد الالتزامات المالية سوى نحو 100 مليون شيكل شهرياً، في حين تتجاوز الاحتياجات الفعلية 1.5 مليار شيكل لتغطية الرواتب والخدمات الأساسية والنفقات التشغيلية.
استمرار صرف نصف الرواتب
وأكد سلامة أن الحكومة ستواصل صرف 50% من رواتب الموظفين حتى نهاية العام الجاري، موضحاً أن توفير هذه النسبة يتطلب نحو 650 مليون شيكل شهرياً.
وأشار إلى أن الحكومة تدرك حجم الضغوط المعيشية التي يواجهها الموظفون، لكنها تعمل ضمن الإمكانات المالية المتاحة في ظل استمرار الأزمة.
وأوضح أن تمويل الرواتب يعتمد حالياً على أربعة مصادر رئيسية، تشمل الاقتراض، والمساعدات الخارجية، والإيرادات المحلية، وتحسين إدارة الموارد المالية.
وأضاف أن الاقتراض من القطاع المصرفي وصل إلى حدوده القصوى، في حين تبقى المساعدات الخارجية أقل من الاحتياجات الفعلية.
لا ضرائب جديدة… وتشديد على مكافحة التهرب
وفي محاولة لتخفيف الأعباء عن المواطنين، أكد وزير المالية أن الحكومة لا تعتزم فرض ضرائب جديدة، لكنها ستواصل العمل على تحسين تحصيل الإيرادات المستحقة ومكافحة التهرب الضريبي والتهريب.
واعتبر أن حماية الإيرادات العامة أصبحت جزءاً من الأمن الاقتصادي الفلسطيني، في ظل تراجع الموارد المالية واستمرار الضغوط الخارجية.
أزمة الشيكل تدفع نحو الدفع الإلكتروني
أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد الفلسطيني يتمثل في تراكم فائض الشيكل داخل السوق المحلية، بعد رفض الجانب الإسرائيلي استقبال الكميات الفائضة من العملة المتداولة لدى المصارف الفلسطينية.
وأوضح سلامة أن هذا الوضع أدى إلى تفاقم أزمة السيولة، وأثر في قدرة البنوك على تنفيذ التحويلات وتسوية المدفوعات، الأمر الذي انعكس على مختلف القطاعات الاقتصادية.
وأشار إلى أن الكتلة النقدية المتداولة في السوق الفلسطينية تتوزع بين 53% بالشيكل، و33% بالدولار، و12% بالدينار الأردني.
وفي هذا السياق، أعلنت الحكومة توجهها إلى توسيع استخدام وسائل الدفع الإلكتروني، وتقليل الاعتماد التدريجي على النقد، مع تعزيز استخدام الدينار الأردني والعملات الأخرى إذا استمرت القيود المفروضة على الشيكل.
ويرى المسؤولون أن هذا التحول أصبح ضرورة اقتصادية وأمنية لضمان استمرار النشاط المالي في حال تصاعد القيود الإسرائيلية.
أزمة الوقود تكشف هشاشة السوق
إلى جانب الأزمة المالية، تواجه الضفة الغربية أزمة وقود متواصلة منذ نحو أسبوعين، حيث امتدت طوابير المركبات أمام محطات الوقود في عدد من المدن، مع صعوبة توفير الكميات المطلوبة من المحروقات.
وأدت الأزمة إلى لجوء بعض المواطنين إلى تخزين الوقود، فيما لوّح سائقو سيارات الأجرة بتعليق عملهم إذا استمر نقص الإمدادات.
وتستهلك الضفة الغربية نحو ثلاثة ملايين لتر من الوقود يومياً، وتعتمد بشكل كامل تقريباً على الواردات القادمة من إسرائيل، ما يجعل القطاع شديد التأثر بأي اضطرابات مالية أو لوجستية.
شركة حكومية للمحروقات
في إطار مواجهة الأزمة، أعلن وزير المالية عن خطة لإعادة تنظيم قطاع المحروقات، تتضمن إنشاء شركة حكومية تتولى شراء الوقود وإدارته.
وأوضح أن الحكومة تبحث أيضاً إصلاح الهيئة العامة للبترول، عبر الفصل بين مهام تنظيم السوق وعمليات شراء الوقود، بما يمنح القطاع مرونة أكبر في التعامل مع الأزمات مستقبلاً.
وترى الحكومة أن إعادة هيكلة القطاع قد تساعد في تحسين إدارة الإمدادات، بينما يشير خبراء اقتصاديون إلى أن نجاح هذه الخطوة سيظل مرتبطاً بحل الأزمة المالية التي تعيق قدرة الجهات المسؤولة على تمويل عمليات الاستيراد.
اقتصاد تحت ضغوط متراكمة
تعكس التصريحات الرسمية حجم الضغوط التي يواجهها الاقتصاد الفلسطيني، في ظل تزامن عدة أزمات تشمل احتجاز أموال المقاصة، وأزمة السيولة، وتراكم الشيكل، ونقص الوقود، إلى جانب التهديدات المتعلقة بالعلاقات البنكية.
ويرى مراقبون أن معالجة هذه الأزمات تتطلب حلولاً تتجاوز الإجراءات الإدارية، إذ تبقى قدرة الحكومة على استعادة الاستقرار المالي مرتبطة بإنهاء القيود المفروضة على الإيرادات الفلسطينية، وضمان استمرار عمل القطاع المصرفي، وتأمين تدفق السلع والخدمات الأساسية إلى الضفة الغربية.






