يُمثل الرفض العلني الصارم الذي أبداه قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان لمقترح الهدنة الإنسانية المدعوم أميركياً تحولاً استراتيجياً ينقل الصراع من مربعات التفاوض إلى مسار التصعيد العسكري الشامل. وتكشف حدة الخطاب التعبوي ورفض التنازلات الدبلوماسية عن عودة قوية لنفوذ الحركة الإسلامية (تنظيم الإخوان) وتأثيرها المباشر في توجيه القرار السياسي والعسكري في بورتسودان، مما يعزز خيار الحرب المفتوحة على حساب خيارات التسوية والتحول المدني.
إغلاق مسارات التهدئة والرهان على الحسم
إسقاط مقترح الهدنة: يعكس رفض مبادرة التهدئة لمدة 90 يوماً قراراً بتمسك قيادة الجيش بالخيار العسكري الكامل والمضي في العمليات القتالية نحو دارفور، دون تقديم رؤية سياسية بديلة لإنهاء الحرب أو معالجة التداعيات الإنسانية.
توظيف الأزمة الدبلوماسية: تعاملت سلطة بورتسودان مع أزمة تعثر إصدار تأشيرة الدخول للولايات المتحدة لحضور الجمعية العامة للأخم المتحدة عبر تحويل الإخفاق الإجرائي إلى خطاب تعبوي داخلي، سعياً لتظهير موقفها في إطار حماية السيادة الوطنية ومواجهة الضغوط الخارجية.
مواجهة المقاربة الدولية: يهدف التصعيد إلى قطع الطريق أمام المساعي الدولية والواشنطنية التي تسعى لسحب الشرعية السياسية عن طرفي النزاع ومنع تحويل السيطرة الميدانية إلى سلطة أمر واقع، واشتراط العودة إلى الحكم المدني.
استدعاء التعبئة الأيديولوجية وإعادة تموضع الإسلاميين
استعادة أساليب حشد التسعينيات: أظهرت التظاهرات والشعارات المناهضة للغرب عودة تشكيلات الحركة الإسلامية السودانية لتصدر المشهد السياسي، عبر استدعاء الخطاب العقائدي للسيطرة على الشارع وتغطية الضغوط الدولية الممارسة على القيادة العسكرية.
تحالف الضرورة والسيطرة: تتلاقى مصالح القيادة العسكرية مع شبكات النظام السابق داخل مؤسسات الدولة، حيث يعتبر التيار الإسلامي استمرار الحرب خياراً وجودياً لمنع قيام عملية سياسية تؤدي إلى إبعاده الدائم عن السلطة.
إعادة هيكلة شرعية الحرب: تسعى القوى الإسلامية المتحالفة مع الجيش إلى إسباغ طابع “المعركة الوطنية الوجودية” على الصراع، وتخوين أطراف الوساطة والدعوات المطالبة بوقف إطلاق النار، لتبرير كلفة الحرب الباهظة.
الكلفة الإنسانية وتعميق العزلة الدولية
تفاقم الكارثة الإغاثية: يهدد إغلاق منافذ التهدئة بانهيار كامل للمساعي الإنسانية في ظل اتساع رقعة المجاعة وأزمة النزوح التي تُعد الكبرى عالمياً، مع استمرار تعطيل الممرات الآمنة لإيصال المساعدات.
ترسيخ العزلة السياسية: يضع التمسك بالخيار العسكري المتحالف مع قواعد أيديولوجية القيادة العسكرية في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي، مما يزيد من احتمالية فرض عقوبات استهدافية وإضعاف الموقف التفاوضي للجيش إقليمياً.
انسداد أفق التحول المدني: يؤدي ربط بقاء المؤسسة العسكرية بالتعبئة العقائدية إلى تعقيد فرص العودة للعملية السياسية، مما يهدد بدخول السودان في حرب استنزاف طويلة الأجل تقوض ما تبقى من هيكل الدولة ومؤسساتها.
تؤكد المعطيات الحالية أن قرار الاستمرار في الحرب يتجاوز الاعتبارات التكتيكية الميدانية ليعكس صراعاً استراتيجياً على شرعية الحكم ومستقبل النفوذ السياسي في السودان؛ حيث يراهن التحالف العسكري-الإسلامي على الميدان لإعادة فرض واقع سياسي جديد، في مقابل ضغوط دولية وإنسانية تتزايد لمنع انزلاق البلاد نحو الانهيار الشامل.






