يشكل قرار الكنيست الإسرائيلي بالمصادقة على فرض ما يُسمّى بـ”السيادة الإسرائيلية” على الضفة الغربية المحتلة خطوة تصعيدية خطيرة تحمل أبعادًا قانونية وسياسية وأمنية عميقة. هذا القرار لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد إجراء داخلي، بل هو انتهاك صريح للقانون الدولي، وتحدٍ مباشر لقرارات مجلس الأمن التي أكدت مرارًا على عدم شرعية الاحتلال الإسرائيلي ورفض أي تغييرات أحادية الجانب على الأرض المحتلة منذ عام 1967.
طمس حدود الدولة الفلسطينية
الخطوة الإسرائيلية الأخيرة تُعد تمهيدًا لمحاولة ضم الضفة الغربية فعليًا، وفرض وقائع على الأرض بقوة الأمر الواقع، بما يتجاوز النشاطات الاستيطانية إلى محاولة إلغاء الخط الأخضر وطمس حدود الدولة الفلسطينية المستقبلية. وهي تعبير عن نهج إسرائيلي مستمر لتكريس الاحتلال تحت غطاء قانوني داخلي، في تجاهل تام لردود الفعل الدولية.
الإدانات التي صدرت عن 12 دولة ومنظمتين إقليميتين بارزتين، وهي جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، تعكس رفضًا واسع النطاق لهذا القرار. غير أن هذه الإدانات، رغم أهميتها الرمزية والسياسية، لا ترتقي إلى مستوى الفعل اللازم لمواجهة سياسات الضم الإسرائيلية. فالإدانة، في غياب خطوات عملية وملموسة، تبقى دون تأثير حقيقي على الأرض، خاصة في ظل ميزان القوى المختل، والدعم السياسي والعسكري الذي تحظى به إسرائيل من بعض القوى الدولية الكبرى.
فرض عقوبات على إسرائيل
ما يحتاجه الوضع الآن ليس مزيدًا من التصريحات، بل تحركات حازمة على عدة مسارات. على الصعيد القانوني، من الممكن إحالة هذه الخطوة إلى المحكمة الجنائية الدولية باعتبارها انتهاكًا لميثاق روما، وتكثيف الضغط داخل مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة لفرض عقوبات سياسية واقتصادية على إسرائيل، أو على الأقل وقف التعاون مع المستوطنات والشركات العاملة فيها. كما يمكن تفعيل دور المجتمع المدني العالمي لتوسيع نطاق المقاطعة (BDS) كأداة ضغط فعالة.
من جانب آخر، فإن استمرار الاحتلال وسياسات الضم يقوّض بشكل ممنهج كل أفق لحل الدولتين، الذي يُفترض أنه يحظى بتوافق دولي واسع. فالمجتمع الدولي مطالب اليوم بتجاوز “الإدارة بالأزمة” التي دأب عليها منذ عقود، وتبنّي استراتيجية واضحة تضع حدًا للاحتلال وتضع إسرائيل أمام مسؤولياتها، لا أن تكتفي ببيانات الشجب الموسمية التي أثبتت محدودية تأثيرها.
تحرك سياسي وقانوني دولي
الإدانة في حد ذاتها لا تكفي، بل يمكن أن تتحول إلى غطاء لعجز دولي أو تواطؤ ضمني، إذا لم تُتبع بتحرك فعلي. المطلوب هو تغيير قواعد اللعبة، وفرض كلفة حقيقية على إسرائيل نتيجة استمرارها في انتهاك القانون الدولي، بما يشمل تعليق اتفاقيات، فرض عقوبات، ودعم فعلي للفلسطينيين سياسيًا واقتصاديًا، وإحياء آليات حماية دولية للشعب الفلسطيني في ظل استمرار العدوان، لا سيما في قطاع غزة.
قرار الكنيست يعكس تحولًا خطيرًا نحو تكريس الاحتلال، والإدانة دون فعل لا تردع سياسة الأمر الواقع، ولا توقف مشروع الضم الزاحف. المطلوب تحرك سياسي وقانوني دولي منسق، يعيد القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام العالمي كقضية تحرر وحقوق، لا كمجرد أزمة إنسانية موسمية.






