لم يكن “المسحراتي” في الوعي الشعبي مجرد رجل يجوب الأزقة بطبلته لإيقاظ الناس إلى السحور، بل رمزاً اجتماعياً يختصر روح رمضان ومعانيه الجماعية. هذا التقليد العريق، الذي ازدهر في مدن المشرق الإسلامي منذ العصور العباسية، ظل لعقود جزءا من هوية الحي وذاكرته، يربط بين البيوت بأسمائها، وبين الناس بعلاقات المودة والتكافل.
في سياق الدمار والنزوح، لم يعد صوت الطبل إعلاناً لبداية يوم صائم، بل استدعاءً لذاكرة جماعية مهددة بالانطفاء. فالمسحراتي الذي كان يجمع “العديات” والهدايا، بات اليوم يجوب بين الخيام، ينادي أسماء بيوت لم تعد قائمة، ويوقظ أناساً لا يملكون ما يتسحرون به.
نزار الدباس: أشعر بالحزن والقهر
المسحراتي نزار الدباس (53 عاما)، فقد منزله في منطقة قيزان النجار جنوب خان يونس، وأصبح يقيم مع أسرته المكونة من تسعة أبناء في خيمة بمواصي خان يونس، حيث قال إنه يمارس التسحير منذ نحو 25 عاما، منذ أيام إقامته في سوريا وحتى قدومه إلى غزة، مضيفا: “بالنسبة لي هو تراث وهواية وعادة رافقتني منذ الصغر، كنت أعتبره رسالة اجتماعية لوجه الله تعالى، بلا مقابل”. حسب وكالة وفا.
ويستذكر الأجواء قبل الحرب قائلاً: “كانت الشوارع مضاءة، الفوانيس تزين البيوت، والأطفال يخرجون معي حاملين أنوارهم الصغيرة، نحيي الحي بأسمائه وبيوته، وننشد لكل عائلة باسمها. لا إنارة في الشوارع، لا بيوت، ولا حتى طبلتي أو لباس المهنة بقي منها شيء. أشعر بالحزن والقهر، خاصة حين أنادي على بيوت لم تعد موجودة، أو أستذكر أصحابها الذين استشهدوا”.
ورغم الخسارة، يؤكد الدباس أنه لم يفكر يوماً بالتوقف، قائلاً: “لن أستغني عنها مدى الحياة، لأنها هوايتي وعادتي، وأحب عمل الخير، خاصة في شهر الخير والبركة. رسالتي لأهلنا الصبر والصمود، وأن يفرجها الله علينا”.
فرج أبو ناجي: للبيوت أصبحت ركاماً
أما فرج أبو ناجي (30 عاما)، من سكان شمال قطاع غزة ودمر بيته ويقيم الآن بخيمة بجانب منزله المدمر، فيحمل حكاية أخرى مع الطبل الذي صمت قسراً “منذ أكثر من عشر سنوات وأنا أمارس عادة التسحير، ومع الوقت شعرت أنها من واجباتي الأساسية في رمضان، لكن هذا هو شهر رمضان الثالث الذي لا أمارس فيه التسحير كما كنت”.
ويشير إلى أن أجواء القصف خلال السنتين الماضيتين حالت دون خروجه، ومع ما وُصف بهدنة هذا العام خرج بين الخيام ليؤدي مهمته، إلا أن المشهد كان صادماً “وجدت الناس مستيقظين يتساءلون: ماذا سنتسحر؟ لا طعام، لا تمور، لا أجبان، لا حلويات. أنادي على البيوت التي صارت ركاماً، وأسماء أصحابها الذين استشهدوا أو نزحوا بعيداً. كنت أعود قبل الحرب محملاً بالهدايا، واليوم عدت محملاً بالوجع وهموم الناس”. حسب وفا.
نوال فروانة: فقدنا صوت المسحراتي
في خيمة بمواصي خان يونس، تعيش نوال فروانة مع زوجها وأبنائها الثلاثة بعد تدمير منزلهم، حيث تقول لمراسل “وفا”: “كنّا نستقبل رمضان بأيام، نتسوق الزينة والفوانيس، نعلقها في البيت، وننتظر إعلان دار الإفتاء. كانت الحارة تضيء، والأغاني تملأ المكان، ونستيقظ على صوت المسحراتي الحنون”.
وتتابع بحسرة: “اليوم استبدلنا البيت بخيمة، والكهرباء بعتمة نضيئها بكشاف الجوال. السحور أصبح متعباً، نأكل أي شيء هرباً من البرد. فقدنا صوت المسحراتي الذي كان عنوان الفرح. نحاول إسعاد أطفالنا بفوانيس نصنعها من علب الألمنيوم بلا إضاءة. الحياة هنا بائسة، نفتقد رمضان الذي عرفناه”.
عطا القصاص: الحرب فرقت العائلة
عطا محمود القصاص، أب لأربعة أبناء وثلاث بنات، كانوا يسكنون جميعاً في عمارة واحدة برفح، يجتمعون على سفرة واحدة في رمضان، تتقاسمها زوجات الأبناء بأطباقهن المختلفة. والدموع تملأ عينيه: “كان رمضان جمعة وتآلفاً، نزور الأقارب معاً، وحيّنا يكتظ بالزينة والسهرات بعد التراويح. النساء يتابعن المسحراتي من الشرفات، والرجال يدعونه للسحور”. حسب وكالة وفا.
لكن الحرب فرّقت العائلة بين قيزان رشوان، ودير البلح والمواصي، وفقد القصاص اثنين من أبنائه، رشاد ثم شادي ابنه البكر وسنده خلال ثلاثة أشهر، تاركين وراءهما سبعة أطفال. ويقول بصوت مثقل: “أبكي بعد الفجر شوقاً لهما، وأسمع بكاء أمهما مع المغرب. لم تعد لرمضان نكهته. حياتنا تمضي كتمضية وقت. وأحزن بشدة عندما يقول لي أحد كل عام وأنت بخير”.




