أطلقت دمشق المنتدى الاستثماري السوري السعودي بحضور وفد اقتصادي سعودي وازن، يضم أكثر من 130 رجل أعمال، برئاسة وزير الاستثمار خالد الفالح. وأعلن وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى خلال مؤتمر صحفي أن المنتدى سيفضي إلى توقيع 44 اتفاقية تصل قيمتها إلى 6 مليارات دولار، ويفترض أن توفر نحو 50 ألف فرصة عمل مباشرة في سوريا.
ورغم أن التصريحات الرسمية ركّزت على الجانب الاقتصادي، من البديهي النظر إلى هذه الخطوة باعتبارها تتجاوز مجرد الشراكة المالية إلى إعادة التموضع السياسي. فالمملكة التي كانت من أبرز الداعمين لعزل دمشق إقليميًا، تبدو اليوم مستعدة لطيّ صفحة الماضي، ولو عبر مدخل الاستثمار، في وقت تسعى فيه القيادة السورية لتثبيت سردية “سوريا الآمنة والجاذبة”، كما ورد في المؤتمر.
ما وراء لغة الاقتصاد
خلف العبارات الإنشائية عن “التنمية بدل الربح” و”الفرص التنافسية” و”التربة الخصبة”، تحاول دمشق أن توصل رسالة إلى الداخل والخارج مفادها أن سوريا بدأت مرحلة “التعافي”، وأن حقبة العزلة تقترب من نهايتها، بمساعدة حلفاء عرب، وفي مقدمتهم السعودية. غير أن هذه الرسالة تصطدم بواقع ميداني واقتصادي هش، ومجتمع دولي لا يزال ينظر إلى النظام بعين الحذر.
لكنّ توقيت المنتدى وتفاصيله تفتح الباب لتأويلات تتجاوز الإطار الاقتصادي البحت. فعودة السعودية إلى دمشق بهذا الزخم، ومن خلال ملف الاستثمار بالذات، تشي بأن الرياض تسعى إلى اختبار مدى استعداد النظام السوري للالتزام بتفاهمات إقليمية جديدة، لا سيما ما يتعلّق بأمن الحدود الجنوبية، والتقارب غير المعلن مع إسرائيل.
الاستثمارات كجسر للتطبيع؟
المؤشرات المتزامنة، وعلى رأسها حديث “أكسيوس” عن اجتماع ثلاثي مرتقب بين ممثلين عن سوريا وإسرائيل والولايات المتحدة لبحث الترتيبات الأمنية جنوب سوريا، تعزّز فرضية أن الاستثمارات ليست سوى تمهيد لعملية سياسية قد تكون معقّدة، ولكنها مطلوبة دوليًا.
فالمملكة التي تربطها علاقات أمنية واستراتيجية وثيقة بإسرائيل والولايات المتحدة، لن تذهب بعيدًا في إنعاش اقتصاد سوريا دون وجود ضوء أخضر من العواصم الكبرى، أو على الأقل ضمن تفاهمات غير معلنة. وهنا تبرز معضلة الجولان، حيث تصرّ الدولة السورية على اعتباره أرضًا محتلة، بينما تُصرّ واشنطن وتل أبيب على تثبيت اعترافهما بضمّه لإسرائيل.
أي مسار تفاهم سياسي – حتى إن جاء تحت غطاء تنموي – سيصطدم بهذه العقدة التاريخية، ما يجعل فرص الوصول إلى تطبيع شامل أو حتى تهدئة دائمة في الجنوب محدودة، دون تنازلات سورية يصعب تخيّلها في الوقت الحالي.
رؤية سورية أم محاولات تلميع؟
الإصرار الرسمي السوري على الحديث عن “سوريا الجديدة” التي تنشد التنمية والانفتاح قد يكون مجرد خطاب علاقات عامة لتجميل الواقع الداخلي وجذب رؤوس الأموال الخليجية، لكنه في المقابل يعكس إدراك النظام أن عودته إلى الساحة الدولية لم تعد ممكنة من بوابة التحالفات التقليدية وحدها.
السعودية من جهتها تبدو في موقع الممتحن والمراقب في آن. فهي لا تريد الانخراط في مغامرة غير محسوبة في بلد يعاني من أزمة بنيوية في بنيته الاقتصادية والسياسية، لكنها أيضًا تريد الاحتفاظ بموقع متقدم في أي صيغة جديدة للشرق الأوسط، خاصة إذا ما كانت طاولة التفاهمات تشمل أطرافًا مثل إيران، إسرائيل، وروسيا.






