كانت النرويج ولاتزال المستفيد الأول من الحرب في أوكرانيا . وهو رأي يشترك العديد من الساسة الأوروبيين ووسائل الإعلام الأوروبية والنرويجية. ولكن بدلاً من الاهتمام بالأمر، أصبحت حكومة النرويج تتخذ موقفاً دفاعياً.
الواقع أن الحقائق الأساسية ليست محل نقاش. فبعد أن تسبب اندلاع حرب أوكرانيا في ارتفاع حاد في أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا، حصدت النرويج أرباحا غير متوقعة بلغ مجموعها نحو 108 مليار يورو، وفقا لوزارة المالية النرويجية. وهذا أكثر من قيمة كل الدعم العسكري والمدني الذي تلقته أوكرانيا من الولايات المتحدة وألمانيا مجتمعة منذ بدء الحرب وحتى أكتوبر/تشرين الأول 2024. وهو ما يقرب من ثلث قيمة أصول البنك المركزي الروسي المجمدة حاليا في الغرب (والتي ناقشت الحكومات الغربية على نطاق واسع توجيهها إلى أوكرانيا للدفاع وإعادة الإعمار).
ولكن النرويج احتفظت بثروتها غير المتوقعة لنفسها، حيث قدمت ثلاثة مليارات يورو فقط كمساعدات لأوكرانيا في ميزانيتها لعام 2025، بزيادة طفيفة عن العام السابق. وهذا النهج خاطئ ببساطة: إذ يتعين على النرويج تحويل أرباحها الفائقة الأخيرة، والأرباح الزائدة عن المستوى الطبيعي، بالكامل، مباشرة إلى أوكرانيا. ومن المؤسف أن رئيس الوزراء يوناس جار ستور ووزير المالية تريغفي سلاجسفولد فيدوم يبدوان أكثر اهتماما بتبرير قرارهما بعدم القيام بذلك من مساعدة أوكرانيا أو أوروبا أو حتى النرويجيين في المستقبل.
يزعم ستور وفيدوم أن المكاسب غير المتوقعة كانت نتيجة طبيعية للقوى السوقية العديدة التي تحدد أسعار الغاز. لكن هذه الحجة خادعة. فبينما من الصحيح أن العديد من العوامل تشكل أسعار الطاقة، فإن الأرباح الزائدة للنرويج تعكس بشكل ساحق أحد هذه العوامل: ففي الفترة 2022-2023، كانت لديها سوق أسيرة في أوروبا لصادراتها من الغاز الطبيعي. وكانت هذه نتيجة مباشرة لحرب أوكرانيا: فقد خفضت روسيا إمداداتها من الغاز الطبيعي إلى أوروبا، لكن مستوردي الغاز الأوروبيين لم يتمكنوا بعد من بناء محطات الغاز الطبيعي المسال لتعويض الخسارة.
ولكن ستور وفيدوم لا يتوقفان عند رفض أرباح الحرب النرويجية باعتبارها حظاً طيباً؛ بل يزعمان أن حكومتهما وشركات النفط العاملة في النرويج قدمت خدمة جليلة لجيراننا الأوروبيين من خلال زيادة إمدادات الغاز عندما توقفت الإمدادات الروسية. ويقول فيدوم إن أوروبا لابد أن تشكرنا على ذلك. ولكن هذه الرواية التي تصف “السامري الصالح” تنضح بالنفاق، وخاصة أن النرويج، في حين تجني مكاسبها المحظوظة من ارتفاع أسعار الغاز، ترسل مبالغ زهيدة إلى الأوكرانيين الذين يقاتلون ويموتون من أجل بقاء بلادهم وأمن أوروبا.
إقرأ أيضا : وقف المساعدات عن أوكرانيا يكشف عن موقف ترمب المناهض للغرب
في واقع الأمر، من وجهة نظر مستهلكي الغاز الأوروبيين، كانت أسعار الغاز المرتفعة تعادل ضريبة الحرب النرويجية المفروضة عليهم. وقد أدت تكاليف الطاقة المتزايدة إلى إرهاق ميزانيات الأسر والشركات، وبالتالي تقليص الحيز المتاح للحكومات الأوروبية لرفع الضرائب لدعم المجهود الحربي لأوكرانيا. ومع ذلك، تمكنت العديد من هذه البلدان من تقديم دعم أكبر كثيراً لأوكرانيا، كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بما قدمته النرويج.
ويقول ستور وفيدوم إنه بدلاً من استخدام هذه الأرباح كأداة سياسية، ينبغي أن تذهب الأرباح الزائدة مباشرة إلى صندوق معاشات الحكومة العالمي، وهو صندوق الثروة السيادية النرويجي، حيث سيتم الحفاظ عليها للأجيال القادمة من النرويجيين. ويتماشى هذا الموقف مع التزام النرويج منذ فترة طويلة بحماية استدامتها المالية في الأمد البعيد، ويتجلى هذا في قاعدة مفادها أنه لا يمكن تحويل أكثر من ثلاثة في المائة من قيمة الصندوق إلى ميزانية الحكومة كل عام.
ولكن موقف ستور وفيدوم قصير النظر في السياق الحالي. فما الذي قد يلحق الضرر بالأجيال القادمة من النرويجيين أكثر من الفشل في الحفاظ على الديمقراطية والحرية وسيادة القانون في أوروبا؟
في كل الأحوال، تم إنشاء القاعدة المالية لمنع المشاكل الاقتصادية الكلية المحلية (مثل ارتفاع سعر الصرف والتضخم المفرط)، والتي ما كانت لتنشأ لو تم تحويل الأموال مباشرة إلى أوكرانيا. ولم يكن بوسع الزعماء المسؤولين عن إنشائها ــ بما في ذلك رئيس الوزراء النرويجي السابق والأمين العام السابق لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرج ــ أن يتخيلوا أن حكومة النرويج قد تستخدمها ذات يوم لتبرير التمسك بالإيجارات التي تعود إلى زمن الحرب.
لقد قدمت النرويج إمدادات الطاقة الحيوية لأوروبا في لحظة يائسة. ولكن من منظور مالي بحت، يمكننا أن نزعم أن البلاد بذلت المزيد من الجهود لدعم روسيا، حيث عملت سوقها الأسيرة للغاز (والتي لم تفعل شيئاً لخلقها) على الحد من قدرة جيرانها على جمع الضرائب في زمن الحرب، في حين امتنعت النرويج عن إرسال الكثير من المساعدات إلى أوكرانيا. وفي الوقت نفسه، أثرت النرويج نفسها بشكل هائل، من خلال العائدات على الاستثمارات المباشرة للحكومة في حقول النفط والغاز، والأرباح من حصتها في ملكية شركة النفط شبه الحكومية إكوينور، وعائدات الضرائب من شركات النفط، والتي تخضع لمعدل هامشي بنسبة 78٪ على أرباحها.
إن رفض استخدام هذه المكاسب الحربية لدعم الدفاع عن أوكرانيا وإعادة إعمارها يعكس منظوراً قاصر النظر ينبغي للحكومة النرويجية أن تتخلى عنه. فعلى الرغم من إحجامنا عن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فإننا نحن النرويجيون جزء من المجتمع الأوروبي ونعتمد عليه. وبدلاً من التركيز حصرياً على المصالح المحلية الضيقة، يتعين على حكومة النرويج أن تبدأ في النظر في رفاهة أوروبا بأكملها. والواقع أن التهديدات المتزايدة للديمقراطية الليبرالية ــ التي لا تأتي فقط من جارتنا الكبرى في الشرق، بل وأيضاً من حليفنا الكبير عبر الأطلسي ــ تجعل هذا التحول أكثر إلحاحا .






