في قراءة نقدية لمسار التصعيد الإقليمي المتسارع، اعتبرت الكاتبة بيث أوبنهايم، المتخصصة في شؤون العلاقات الإسرائيلية-الفلسطينية والعلاقات الإقليمية لإسرائيل، أن المنطقة تقف اليوم على مفترق بالغ الخطورة، حيث تتقاطع الحسابات الإسرائيلية مع اندفاع أمريكي غير مستقر، فيما تتراجع فرص الدبلوماسية لصالح منطق القوة، سواء على الجبهة الإيرانية أو اللبنانية.
وترى الكاتبة أن إسرائيل تسعى في هذه المرحلة إلى استثمار حالة التوتر بين واشنطن وطهران لدفع الإدارة الأمريكية نحو خيار عسكري، في وقت تستعد فيه المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لاحتمال فتح جبهة جديدة في لبنان.
نتنياهو يرى في اللحظة الراهنة فرصة تاريخية لإعادة تشكيل الإقليم
وتعتبر في تحليلها أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتعامل مع المشهد الإقليمي بوصفه نافذة نادرة لإعادة رسم موازين القوة في الشرق الأوسط.
وتضيف أن الصدمة التي خلّفتها هجمات السابع من أكتوبر شكّلت، من وجهة نظر القيادة الإسرائيلية، نقطة انطلاق لفرض ما تعتبره «نظامًا إقليميًا جديدًا»، يقوم على إضعاف متزامن لإيران وحلفائها، وفي مقدمتهم حركة حماس في غزة وحزب الله في لبنان.
وتتابع أن الهدف التالي في هذا المسار يتمثل في دفع إيران نفسها إلى موقع أضعف بكثير، سواء عبر الضغط العسكري المباشر أو عبر استدراج الولايات المتحدة إلى مواجهة مفتوحة.
وترى أن استعداد الجيش الإسرائيلي لعملية جديدة في لبنان لا ينفصل عن هذا التصور الأشمل، بل يُعد جزءًا من استراتيجية متكاملة تنظر إلى الجبهتين الإيرانية واللبنانية باعتبارهما مسارين متوازيين.
الحسابات السياسية الداخلية تدفع نتنياهو نحو التصعيد
وفي هذا السياق، تشير الكاتبة إلى أن نتنياهو، في ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية وتفاقم أزماته السياسية الداخلية، قد يرى في تجدد العمليات العسكرية فرصة لإنقاذ موقعه السياسي، بدل المضي في مسار تسويات دبلوماسية قد تُفهم داخليًا على أنها تنازلات.
وتضيف أن التجارب السابقة في الحروب ضد حزب الله أو في المواجهات غير المباشرة مع إيران أظهرت أن أي مكاسب شعبية يحققها نتنياهو غالبًا ما تكون مؤقتة، إلا أن ذلك لا يمنع توظيف التصعيد كورقة سياسية في لحظات الضعف الداخلي.
كما تلفت إلى أن المجتمع الإسرائيلي نفسه منقسم بشأن جدوى أي مواجهة جديدة، سواء مع إيران أو في لبنان، وهو ما يجعل قرار الحرب محفوفًا بمخاطر سياسية لا تقل عن مخاطره العسكرية.
ترامب ممزق بين صورة «القائد القوي» وهاجس صانع الصفقات
وترى في تقييمها للموقف الأمريكي أن الرئيس دونالد ترامب يقف في موقع شديد التناقض.
فمن جهة، يسعى إلى الظهور بمظهر القائد الصارم المستعد لاستخدام القوة، ومن جهة أخرى يحرص على ترسيخ صورته بوصفه «صانع صفقات» قادرًا على انتزاع إنجازات دبلوماسية.
وتشير إلى أن التحركات الدبلوماسية المكثفة التي قادتها دول في الشرق الأوسط والخليج لعبت دورًا أساسيًا في تأجيل أي ضربة أمريكية مباشرة ضد إيران، وفتحت نافذة ضيقة لإحياء المسار التفاوضي.
غير أن هذا الهامش الدبلوماسي، بحسب تقديرها، لا يزال هشًا للغاية، ويمكن أن ينهار سريعًا تحت ضغط إسرائيلي متواصل، ما لم يتم استثماره أوروبيًا وعربيًا بشكل منسق.
على الأوروبيين احتواء نتنياهو وإقناع ترامب بأن الحرب تهدد «مشروع السلام»
وتعتبر أن الدور الأوروبي بات محوريًا في هذه المرحلة.
وترى أن على العواصم الأوروبية، بالتعاون مع الشركاء العرب، ممارسة ضغط سياسي مباشر على كل من واشنطن وتل أبيب، لإقناع ترامب بأن أي تصعيد عسكري جديد ضد إيران أو في لبنان سيقوّض تمامًا طموحه المعلن لتحقيق «السلام على الأرض».
وبحسب الكاتبة، فإن المدخل الواقعي للتأثير على ترامب لا يمر عبر الخطاب القيمي أو القانوني، بل عبر إقناعه بأن الإنجاز الدبلوماسي سيمنحه مكاسب سياسية وشخصية أكبر من مغامرة عسكرية مفتوحة.
إيران ترى أن نتنياهو يراهن على زعزعة النظام لا على الاتفاق
وفي الملف الإيراني، ترى في تحليلها أن نتنياهو ضغط طوال سنوات على الإدارات الأمريكية المتعاقبة من أجل تنفيذ ضربة عسكرية ضد إيران، أو على الأقل منح إسرائيل ضوءًا أخضر لتنفيذ ضربات مباشرة.
وتضيف أن اندلاع موجة الاحتجاجات داخل إيران، وتزامنها مع تصعيد خطاب ترامب، بدا في نظر القيادة الإسرائيلية فرصة استثنائية لتغيير قواعد اللعبة.
غير أنها تشير إلى أن القمع العنيف الذي مارسه النظام الإيراني ضد المتظاهرين أضعف زخم الاحتجاجات، وأربك في الوقت نفسه السردية الأمريكية التي تربط بين العمل العسكري ودعم «تطلعات الشعب الإيراني».
كما ترى أن نتنياهو يخشى أن تنتهي المفاوضات الأمريكية-الإيرانية إلى ما تصفه إسرائيل بـ«الصفقة السيئة»، أي اتفاق يركّز فقط على الملف النووي، ويترك ملفات الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي خارج طاولة التفاوض.
إسرائيل تضغط سرًا على واشنطن رغم خطاب التهدئة العلني
وتلفت إلى أن الخطاب الإسرائيلي الرسمي يتسم حاليًا بضبط النفس، تجنبًا لإحراج الإدارة الأمريكية أو إظهار إسرائيل بمظهر الطرف المتدخل في الشأن الإيراني الداخلي.
لكنها تضيف أن القنوات الخلفية تشهد نشاطًا مكثفًا، من خلال اجتماعات أمنية رفيعة المستوى، وتبادل معلومات استخباراتية، وتقديم أهداف محتملة للولايات المتحدة.
وبحسب تقديرها، يفضّل نتنياهو هجومًا أمريكيًا واسع النطاق، لا عملية محدودة أو رمزية، لأن الضربة المحدودة – في نظر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية – قد تفتح باب رد إيراني واسع من دون أن تغيّر ميزان القوى فعليًا.
القلق الإسرائيلي يتجاوز النووي إلى الصواريخ
وتوضح الكاتبة أن القلق الإسرائيلي لا يقتصر على البرنامج النووي الإيراني، بل يتركز بصورة متزايدة على برنامج الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى.
وتضيف أن اختراق بعض الصواريخ الإيرانية لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية في مواجهات سابقة ترك أثرًا عميقًا في التقديرات العسكرية داخل إسرائيل، وأعاد طرح مسألة هشاشة الجبهة الداخلية في أي مواجهة واسعة.
وترى أن هذا العامل يدفع إسرائيل إلى التشدد في أي مفاوضات محتملة، والإصرار على إدراج ملف الصواريخ ضمن أي اتفاق مع طهران.
تغيير النظام في طهران حلم إسرائيلي محفوف بالمخاطر
وفي هذا الإطار، تشير الكاتبة إلى أن فكرة تغيير النظام في إيران تحظى بقبول سياسي واسع داخل إسرائيل، حتى وإن كان معظم مسؤولي المؤسسة الدفاعية يدركون أن هذا الهدف يتجاوز القدرات الإسرائيلية الواقعية.
وتضيف أن منطق «لا يمكن أن يكون البديل أسوأ من القائم» بات حاضرًا بقوة في النقاشات الإسرائيلية.
كما تلفت إلى أن بعض الدوائر الأمنية ترى حتى في سيناريو سيطرة الحرس الثوري على الحكم احتمالًا أقل سوءًا، باعتبار أن هذا الطرف قد يكون أكثر براغماتية وأقل ارتباطًا بالاعتبارات الأيديولوجية للقيادة الحالية.
لبنان: ساحة المواجهة التالية
وفي الشأن اللبناني، ترى في تحليلها أن الجبهة الشمالية كانت، حتى قبل اندلاع الاحتجاجات في إيران، مرشحة بقوة للانفجار.
وتشير إلى أن الجيش الإسرائيلي أعد بالفعل خططًا عملياتية لهجوم جديد ضد حزب الله، في ظل تقديرات تفيد بأن الحزب يعيد بناء قدراته بوتيرة أسرع من قدرة الدولة اللبنانية على فرض التزامات وقف إطلاق النار.
وتضيف أن الرهان الإسرائيلي يقوم على أن انهيارًا محتملًا للنظام في طهران سيشكل ضربة قاصمة لحزب الله، لكن في حال لم يتحقق هذا السيناريو، فإن التركيز الإسرائيلي سيعود حتمًا إلى الساحة اللبنانية.
إسرائيل لا تثق بقدرة الجيش اللبناني
وتؤكد الكاتبة أن إسرائيل تعتبر أن الجيش اللبناني غير قادر، أو غير راغب، في تنفيذ التزاماته المتعلقة بتفكيك البنية العسكرية لحزب الله جنوب نهر الليطاني.
وترى أن هذا التقييم يفسّر إصرار الجيش الإسرائيلي على البقاء في عدد من النقاط الاستراتيجية داخل الأراضي اللبنانية، واستمرار الضربات الجوية المكثفة.
وبحسب التحليل، فإن هذه السياسة، رغم أنها تهدف إلى إضعاف حزب الله، تُلحق في الوقت ذاته ضررًا بالغًا بشرعية الدولة اللبنانية، وتغذّي السردية التي يروّجها الحزب بأن السلاح هو الضمانة الوحيدة لحماية لبنان.
على أوروبا أن تحول لبنان إلى أولوية دبلوماسية لا ساحة حرب
وفي ختام التحليل، ترى الكاتبة أن على أوروبا أن تتحرك سريعًا على مسارين متوازيين.
الأول يتمثل في دعم المفاوضات الأمريكية-الإيرانية الناشئة، والعمل مع شركائها في الخليج وتركيا لدفع مقاربة براغماتية تقلّص احتمالات الانفجار الإقليمي.
أما المسار الثاني فيتركز على لبنان، الذي لا يحظى – بحسب التقدير – بالاهتمام الكافي من جانب إدارة ترامب، وهو ما قد يفتح الباب أمام إسرائيل للتحرك العسكري بحرية أكبر.
وتخلص الكاتبة إلى أن الفرصة الحقيقية تكمن في إقناع واشنطن بأن دعم الدولة اللبنانية ومؤسساتها الأمنية، وتوفير الموارد والخبرات اللازمة لإصلاح قطاعات الحكم والأمن، يمكن أن يتحول إلى إنجاز دبلوماسي فعلي لا يقل قيمة عن أي «صفقة» مع إيران.
وفي المقابل، فإن البديل عن هذا المسار الدبلوماسي يبدو واضحًا وخطيرًا: حرب إسرائيلية جديدة في لبنان، وربما مواجهة أوسع مع إيران، تتبعها جولات إضافية من العنف، في منطقة لم تعد تحتمل حربًا أخرى.






