أطلقت الأمم المتحدة تحذيرات جديدة من التداعيات الخطيرة لاستمرار انخراط جماعة الحوثي في المواجهة الإقليمية إلى جانب إيران، مؤكدة أن أي تصعيد عسكري جديد قد يدفع اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً من أزمته الإنسانية الممتدة منذ سنوات.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت يواجه فيه الملايين في اليمن أوضاعاً معيشية وصحية متدهورة، وسط تراجع حاد في التمويل الإنساني وإغلاق مئات المرافق الصحية الحيوية.
وأكد تقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية أن اليمن يقف أمام مفترق طرق بالغ الخطورة، حيث تتزامن التوترات العسكرية المتصاعدة في المنطقة مع نقص التمويل الدولي اللازم لدعم البرامج الإنسانية، الأمر الذي يهدد بتوسيع دائرة المعاناة الإنسانية ويضع الخدمات الأساسية أمام خطر الانهيار الكامل.
تداعيات التصعيد العسكري تتجاوز ساحات القتال
بحسب التقرير الأممي، فإن انخراط الحوثيين في الصراع الإقليمي من خلال الهجمات التي استهدفت إسرائيل يزيد من احتمالات امتداد النزاع إلى نطاق أوسع، وهو ما قد ينعكس بصورة مباشرة على الأوضاع الإنسانية داخل اليمن.
وأشارت المنظمة إلى أن أي ضربات عسكرية أو عمليات انتقامية محتملة قد تؤدي إلى موجات نزوح جديدة، فضلاً عن وقوع خسائر في صفوف المدنيين وتضرر البنية التحتية الحيوية.
وحذرت المنظمة من أن الموانئ ومرافق التخزين وشبكات الإمداد في اليمن قد تصبح أهدافاً للتصعيد العسكري، وهو ما سيؤثر سلباً على تدفق المساعدات الإنسانية والسلع الأساسية إلى ملايين اليمنيين الذين يعتمدون بشكل كبير على الدعم الدولي لتلبية احتياجاتهم اليومية.
وفي الوقت الذي تتزايد فيه الاحتياجات الإنسانية، تواجه المنظمات الدولية صعوبات متزايدة بسبب تراجع التمويل المخصص لليمن، وأكدت منظمة الصحة العالمية أن التخفيضات الكبيرة في المساعدات الإنسانية أجبرت العديد من المنظمات على تقليص أو تعليق برامج حيوية كانت تمثل شريان حياة لملايين المواطنين.
ودعت المنظمة المجتمع الدولي إلى التحرك بشكل عاجل لسد فجوة التمويل المتنامية، مؤكدة أن استمرار تراجع الدعم المالي سيؤدي إلى فقدان مزيد من الأرواح، كما سيزيد من هشاشة المجتمعات المحلية ويقوض الجهود الرامية إلى تخفيف آثار الأزمة الإنسانية الممتدة.
22 مليون يمني بحاجة للمساعدة
وتكشف الأرقام الواردة في التقرير حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها اليمن، حيث لا يزال نحو 22.3 مليون شخص بحاجة إلى المساعدات الإنسانية وخدمات الحماية المختلفة.
كما يعاني قرابة 5 ملايين يمني من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، بينهم نحو 1.4 مليون شخص يعيشون أوضاعاً مصنفة ضمن مرحلة الطوارئ، وهي من أخطر مراحل الجوع وفق المعايير الدولية.
وتشير هذه الأرقام إلى اتساع رقعة الاحتياجات الأساسية في البلاد، في ظل تراجع قدرة المنظمات الإنسانية على الاستجابة بالوتيرة المطلوبة نتيجة النقص الحاد في الموارد المالية.
إلى جانب الأزمة الغذائية والمعيشية، حذرت منظمة الصحة العالمية من استمرار انتشار عدد من الأمراض التي يمكن الوقاية منها عبر اللقاحات، مثل شلل الأطفال والحصبة والكوليرا والدفتيريا، إضافة إلى حمى الضنك والملاريا.
وأوضحت المنظمة أن ضعف حملات التحصين وانتشار المعلومات المضللة بشأن اللقاحات أسهما في تفاقم الوضع الصحي، ما يجعل ملايين الأطفال والأسر عرضة لمخاطر صحية متزايدة، خصوصاً في المناطق التي تعاني من ضعف الخدمات الطبية.
إغلاق 450 مرفقاً صحياً بسبب نقص التمويل
ويُعد القطاع الصحي من أكثر القطاعات تضرراً من أزمة التمويل الحالية، ووفقاً للتقرير، لم يحصل برنامج الاحتياجات الإنسانية والاستجابة في اليمن خلال العام الماضي سوى على 29% من التمويل المطلوب، الأمر الذي أدى إلى تقليص العديد من الخدمات الأساسية.
وأدى هذا النقص الحاد في التمويل إلى تراجع خدمات التغذية بنسبة 63% حتى مايو الماضي، كما تسبب في إغلاق أكثر من 450 مرفقاً صحياً، من بينها 76 مستشفى، خلال العام الماضي. ونتيجة لذلك، حُرم ملايين اليمنيين من الحصول على الرعاية الصحية الأساسية، في وقت ترتفع فيه معدلات الأمراض وسوء التغذية.
ولم تقتصر آثار الصراع على الجانب الإنساني فحسب، بل امتدت إلى مسار التنمية في البلاد. وأشارت منظمة الصحة العالمية إلى أن اليمن فقد بحلول عام 2019 ما يعادل 21 عاماً من التقدم التنموي نتيجة الحرب المستمرة.
وحذرت المنظمة من أن استمرار النزاع حتى عام 2030 قد يؤدي إلى فقدان ما يقارب أربعة عقود من التنمية البشرية، وهو ما يعني تراجعاً غير مسبوق في مؤشرات التعليم والصحة ومستويات المعيشة وفرص التنمية الاقتصادية.
الأمم المتحدة: اليمن يتحول إلى «أزمة منسية»
من جانبه، وصف فرانشيسكو غالتيري، ممثل صندوق الأمم المتحدة للسكان في اليمن، الوضع الإنساني في البلاد بأنه “أزمة منسية”، محذراً من تراجع الاهتمام الدولي بالأوضاع اليمنية رغم استمرار معاناة الملايين.
وأوضح أن الغذاء والرعاية الصحية يمثلان الاحتياجين الأكثر إلحاحاً للسكان، في وقت تتزايد فيه معدلات سوء التغذية، بينما تواجه النساء في المناطق الريفية والنائية صعوبات كبيرة في الحصول على الخدمات الصحية اللازمة.
النساء الحوامل الأكثر تضرراً
وأشار المسؤول الأممي إلى أن نحو 65 ألف امرأة حامل يحتجن إلى المساعدة والرعاية الصحية خلال فترات الحمل والولادة، مؤكداً أن اليمن يسجل أعلى معدلات وفيات الأمهات في المنطقة العربية.
وأضاف أن ثلاث نساء يفقدن حياتهن يومياً بسبب مضاعفات مرتبطة بالحمل أو الولادة، مشدداً على أن معظم هذه الوفيات كان يمكن تفاديها لو توفرت خدمات صحية مناسبة وإمكانات طبية كافية.
وفي ختام تحذيراته، أكد غالتيري أن النقص الحاد في التمويل يهدد بشكل مباشر برامج صندوق الأمم المتحدة للسكان والعديد من العمليات الإنسانية الأخرى العاملة في اليمن.
وكشف أن تراجع التمويل بنحو 40% خلال العام الماضي، نتيجة انسحاب عدد من المانحين، أجبر الصندوق على تعليق ما بين 30 و35% من الخدمات التي كان يقدمها للمستفيدين.
ومع استمرار التصعيد الإقليمي وتراجع الدعم الدولي، تبدو الأزمة اليمنية أمام تحديات متزايدة قد تدفع الملايين إلى مستويات غير مسبوقة من المعاناة، ما لم يتحرك المجتمع الدولي سريعاً لتوفير التمويل اللازم وضمان استمرار تدفق المساعدات الإنسانية إلى البلاد.




