في خضم حرب إقليمية متصاعدة منذ أكثر من شهر، عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليطلق تصريحًا مثيرًا للجدل، معلنًا ما وصفه بـ«تحقيق تغيير في النظام الإيراني» والتقدم في مفاوضات مع «قادة جدد». لكن هذا الخطاب، الذي سرعان ما اصطدم بتهديدات عسكرية جديدة، يعيد طرح سؤال جوهري: هل ما يقوله ترامب يعكس واقعًا ميدانيًا، أم أنه جزء من استراتيجية سياسية قائمة على الغموض والتناقض؟
لم تمضِ ساعات على حديث ترامب عن «صفقة قريبة» مع إيران حتى عاد التصعيد ليطغى على المشهد، مع التلويح بضربات محتملة تستهدف جزيرة خرج، أحد أهم الشرايين الاقتصادية لطهران. هذا التناقض السريع بين خطاب التهدئة والتصعيد يعكس نمطًا مألوفًا في أسلوب الرئيس الأمريكي، حيث تختلط الرسائل السياسية بإشارات عسكرية متقلبة.
في المقابل، لم تتأخر طهران في الرد، إذ اتهم رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف واشنطن بازدواجية الخطاب، معتبرًا أن الدعوات العلنية للحوار تخفي نوايا ميدانية أكثر عدوانية. بل ذهب أبعد من ذلك بالتحذير من رد مباشر في حال أي تدخل بري.
إرث من التشكيك: سجل طويل من التصريحات المثيرة للجدل
لا يمكن فصل هذه التصريحات عن السياق الأوسع لسجل ترامب السياسي، الذي اتسم بكثرة التصريحات المثيرة للجدل. فقد وثّقت صحيفة The Washington Post خلال ولايته الأولى أكثر من 30 ألف تصريح مضلل أو غير دقيق، بمعدل يتجاوز 20 تصريحًا يوميًا.
هذا الإرث يجعل من الصعب التعامل مع أي إعلان جديد بجدية كاملة، خاصة عندما يتعلق بقضايا معقدة مثل «تغيير النظام» في دولة بحجم إيران، وهو أمر يتطلب تحولات عميقة لا يمكن تحقيقها عبر تصريحات إعلامية أو تحركات محدودة.
تراجع الثقة داخليًا: شكوك تتسلل حتى إلى القاعدة الجمهورية
على الصعيد الداخلي، تشير استطلاعات الرأي التي أجرتها مؤسسات مثل Reuters وIpsos إلى تراجع شعبية ترامب إلى حدود 36%، في ظل استمرار الحرب وارتفاع أسعار الوقود.
الأكثر لفتًا أن التراجع لا يقتصر على المعسكر الديمقراطي، بل يمتد إلى داخل القاعدة الجمهورية نفسها. فقد انخفضت نسبة الجمهوريين الذين يرون أن ترامب يتمتع بالكفاءة الذهنية والأخلاقية لقيادة البلاد بشكل ملحوظ خلال عام واحد، ما يعكس تصدعًا تدريجيًا في الثقة حتى داخل صفوف مؤيديه.
انقسام داخل معسكر الدعم: من الإعلام المحافظ إلى رموز MAGA
حتى داخل الدوائر الإعلامية المحافظة، التي لطالما دعمت ترامب، بدأت تظهر أصوات ناقدة. فقد وجهت شبكة Fox News انتقادات غير مسبوقة لبعض تصريحاته، فيما عبّر شخصيات مؤثرة مثل تاكر كارلسون وجو روغان عن خيبة أملهم، معتبرين أن سياساته تتناقض مع شعار «أمريكا أولًا».
ورغم ذلك، لا تزال القاعدة الصلبة لحركة «MAGA» وفية إلى حد كبير، حيث يواصل نحو 81% من أنصارها دعم ترامب حتى في ملف إيران، ما يعكس انقسامًا حادًا بين قاعدة متماسكة ونخبة سياسية وإعلامية بدأت تبتعد تدريجيًا.
الأسواق المالية: بين الحذر والتكيف مع «ضجيج ترامب»
في السابق، كانت تصريحات ترامب كفيلة بإحداث تقلبات فورية في الأسواق. لكن اليوم، يبدو أن المستثمرين باتوا أكثر حذرًا وأقل اندفاعًا. فقد سجلت الأسواق ردود فعل متباينة على تصريحاته الأخيرة، حيث ارتفعت العقود الآجلة مؤقتًا قبل أن تعود للتراجع مع غياب مؤشرات ملموسة على تقدم فعلي.
صحيفة Financial Times أشارت إلى أن المستثمرين يتعاملون مع تصريحات ترامب وفق معادلة احتمالية: حتى لو كان احتمال صدقها ضعيفًا، فإن نسبة صغيرة من المخاطرة كفيلة بتحريك الأسواق، خاصة في ملفات حساسة مثل مضيق هرمز.
من «تأثير ترامب» إلى «تجارة تاكو»: تآكل النفوذ السياسي
أحد أبرز المؤشرات على تراجع تأثير ترامب هو ظهور ما يُعرف في الأسواق بـ«تجارة تاكو» (TACO Trade)، في إشارة إلى الاعتقاد بأن الرئيس الأمريكي «يتراجع دائمًا في النهاية». هذه الاستراتيجية، التي ظهرت خلال أزمات الرسوم الجمركية، تعكس فقدان الثقة في استمرارية مواقفه.
لكن حتى هذه المقاربة بدأت تفقد فعاليتها في ظل تعقيد الملف الإيراني، حيث لم يعد ترامب اللاعب الوحيد، بل طرفًا ضمن شبكة معقدة من الفاعلين الإقليميين والدوليين.
خلاصة: خطاب بلا سند أم استراتيجية محسوبة؟
في النهاية، تبدو تصريحات ترامب حول «تغيير النظام» في إيران أقرب إلى خطاب سياسي عالي النبرة منه إلى واقع ملموس. فالتناقض بين الأقوال والأفعال، وتراجع الثقة داخليًا وخارجيًا، إضافة إلى محدودية تأثير تصريحاته على الأسواق، كلها مؤشرات على تآكل مصداقيته.
ومع استمرار الحرب دون أفق واضح، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يعتمد ترامب على استراتيجية ضغط نفسي وإعلامي، أم أن تصريحاته مجرد محاولة لفرض واقع غير موجود؟ في كلتا الحالتين، يبدو أن العالم—بما في ذلك حلفاؤه—لم يعد يتعامل مع كلماته بالثقل ذاته الذي كانت تحمله في السابق.






