دعت تركيا روسيا وأوكرانيا إلى وقف مؤقت للهجمات التي تستهدف السفن التجارية في البحر الأسود، محذرة من أن الحرب بدأت تتجاوز أهدافها العسكرية لتطال حركة الملاحة المدنية وتهدد مصالح دول المنطقة.
وقال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، السبت، إن أنقرة اقترحت إنشاء آلية تتيح اتخاذ قرار بوقف الهجمات على السفن التجارية، في محاولة لاحتواء التصعيد المتزايد في البحر الأسود.
وفي مقابلة مباشرة مع وكالة الأناضول الرسمية، قال فيدان إن تركيا طرحت فكرة إنشاء آلية يمكن من خلالها الاتفاق على «وقف تنفيذ الهجمات»، في ظل تزايد الحوادث التي تستهدف السفن والموانئ.
من الموانئ إلى السفن التجارية
وقال فيدان إن الحرب شهدت خلال الفترة الأخيرة توسعاً تدريجياً في نطاق أهدافها.
وأضاف أن الهجمات كانت في البداية تتركز على الموانئ والمنشآت والسفن العسكرية، قبل أن تنتقل إلى السفن التجارية التي تعبر البحر الأسود.
وقال الوزير التركي إن «الصراع انتشر في جميع أنحاء البحر الأسود»، معرباً عن أسفه لأن الهجمات باتت تستهدف، بحسب تعبيره، «جميع السفن التجارية دون تمييز».
وتثير هذه التطورات مخاوف متزايدة في أنقرة، خصوصاً أن السفن المرتبطة بمالكين أتراك أو التي ترفع العلم التركي أصبحت ضمن دائرة الخطر.
سفن مرتبطة بتركيا تعرضت للهجمات
وكانت تركيا قد نددت الثلاثاء بهجمات بطائرات مسيّرة وقعت في اليوم السابق واستهدفت سفينتين تابعتين لمالكي سفن أتراك في البحر الأسود.
وأدت الهجمات إلى إصابة عدد من أفراد الطواقم، في حادث أعاد تسليط الضوء على المخاطر التي تواجه السفن التجارية التي تواصل العمل في منطقة تحولت إلى إحدى أكثر ساحات الحرب الروسية الأوكرانية اضطراباً.
وبالنسبة إلى تركيا، لا يتعلق الأمر فقط بأمن سفنها. فالاستقرار في البحر الأسود يمثل مصلحة استراتيجية مباشرة لأنقرة، نظراً إلى موقعها الجغرافي وسيطرتها على الممرات البحرية المؤدية إلى البحر عبر مضيقي البوسفور والدردنيل.
أنقرة تحاول إبقاء البحر الأسود خارج دائرة التصعيد
تتمتع تركيا بعلاقات معقدة مع طرفي الحرب. فهي عضو في حلف شمال الأطلسي، لكنها حافظت في الوقت نفسه على قنوات اتصال مفتوحة مع موسكو، وواصلت لعب دور الوسيط بين روسيا وأوكرانيا في ملفات متعددة.
وقد سمح هذا الموقع لأنقرة بالاحتفاظ بدور دبلوماسي لا يتوافر بسهولة لدول أخرى.
لكن اتساع الهجمات البحرية يضع هذه السياسة أمام اختبار جديد. فكل حادث يصيب سفينة تجارية تركية أو يهدد طواقمها يمكن أن يدفع أنقرة إلى موقف أكثر صرامة، حتى مع حرصها على عدم الانخراط المباشر في المواجهة.
البحر الأسود يتحول إلى جبهة اقتصادية
لا تقتصر أهمية التصعيد البحري على الجانب الأمني.
فالمرور التجاري عبر البحر الأسود يرتبط بتدفق الحبوب والطاقة والمواد الخام، فيما تمثل الموانئ الأوكرانية والروسية جزءاً مهماً من شبكة التجارة التي تصل إلى الأسواق الدولية.
وأي توسع في استهداف السفن التجارية يمكن أن يرفع تكاليف التأمين والشحن، ويدفع شركات الملاحة إلى تغيير مساراتها أو تقليص نشاطها في المنطقة.
ومن وجهة نظر أنقرة، فإن استمرار هذه الهجمات قد يحول البحر الأسود تدريجياً من ممر تجاري إلى منطقة عالية المخاطر، بما يهدد حركة التجارة التي تعتمد عليها تركيا ودول أخرى في المنطقة.
اقتراح تركي يصطدم بتعقيدات الحرب
دعوة فيدان إلى «وقف مؤقت» تبدو محاولة لفصل الملاحة التجارية عن العمليات العسكرية، أو على الأقل إنشاء مساحة محدودة تسمح للسفن المدنية بالتحرك بعيداً عن دائرة الاستهداف.
لكن تحقيق ذلك يتطلب موافقة موسكو وكييف في وقت لا تزال فيه الحرب مفتوحة على مزيد من التصعيد.
كما أن الاتفاق على آلية واضحة لتحديد السفن التجارية وحمايتها سيكون أكثر تعقيداً من مجرد إعلان هدنة سياسية، خصوصاً في ظل استخدام البحر الأسود كساحة لعمليات عسكرية وضربات بعيدة المدى.
ومع استمرار وصول الهجمات إلى السفن المدنية، تحاول تركيا منع البحر الذي يفصلها عن روسيا وأوكرانيا من التحول إلى جبهة جديدة لا يمكن السيطرة على حدودها.






