تشهد الضفة الغربية، ولا سيما محافظتا جنين ونابلس، تصعيدًا متسارعًا في المشاريع الاستيطانية التي تتجاوز إقامة بؤر ومستوطنات جديدة، لتصل إلى إعادة رسم الخريطة الجغرافية والديموغرافية للمنطقة.
وحسب مختصين في شؤون الاستيطان، تنفذ حكومة الاحتلال مخططًا واسع النطاق يقوم على توسيع المستوطنات، وشق الطرق الالتفافية، وربط البؤر الاستيطانية ببعضها وبالأغوار والداخل الفلسطيني المحتل، بما يؤدي إلى عزل المدن والقرى الفلسطينية وتقطيع أوصالها.
هجمة استيطانية غير مسبوقة شمال الضفة
المجلس الوزاري المصغر للاحتلال “الكابينيت” صادق على موجات متتالية من المستوطنات الجديدة؛ شملت المصادقة على 22 مستوطنة في أيار 2025، و19 مستوطنة في كانون الأول من نفس العام، وصولًا إلى المصادقة على 34 مستوطنة جديدة خلال العام الجاري 2026، حسب تصريحات الباحث المختص في شؤون الاستيطان، المهندس محمود الصيفي، لوكالة شهاب.
“الصيفي” أكد أن شمال الضفة يحظى بالحصة الأكبر من هذه المخططات التي تهدف لرفع عدد المستوطنين في الضفة إلى مليون مستوطن، فضلا عن أن محافظة جنين تشهد هجمة استيطانية غير مسبوقة بعد سنوات من الركود النسبي، لافتًا إلى أن الاحتلال يسعى لإعادة بناء المستوطنات التي أُخليت عام 2005.
ومن أبرز معالم هذا المخطط: مستوطنة “ترسلة” (العودة إلى تريتيلا)، حيث جرى تدشينها رسميًا بمشاركة وزراء متطرفين (وعلى رأسهم سموتريتش) وأعضاء من “الكنيست”، إذ تم تثبيت 16 عائلة من المستوطنين، وأقر الاحتلال بناء 126 وحدة استيطانية جديدة فيها بمحيط القلعة التاريخية، وتحويلها إلى قاعدة عسكرية للواء “منشيه”.
حكومة الاحتلال تشرعن البؤر الاستيطانية
ويتضمن المخطط، مستوطنة “يحنيت/رحاميد”، حيث باشرت آليات الاحتلال منذ عدة أشهر بتمهيد الأرض لإقامتها على أراضي بلدة عرابة وغرب بلدة كفر دان (الحارثية)، وكذلك يشمل إعادة احتلال المعسكرات، إذ أعاد جيش الاحتلال التمركز في معسكري “تنور” و”عرابة” جنوب جنين، وترافق ذلك مع توجيه إخطارات بهدم وإخلاء أكثر من 16 منزلًا فلسطينيًا محيطًا بمعسكر عرابة، في محاولة صريحة لتهجير المواطنين وتوطين المستوطنين. وفيما يخص محافظة نابلس،
“الصيفي” أشار إلى أن الاحتلال شرع فعليًا في تنفيذ مخطط استيطاني خطير على جبل عيبال (شمال نابلس) يندرج ضمن خطة الـ 22 مستوطنة المقرة سابقًا، موضحًا أن الاحتلال نقل أكثر من 5 عائلات مستوطنين إلى بؤرة مطلة على المدينة وبلدة عصيرة الشمالية، تحت حجج دينية وترمودية واهية.
نجحت المقاومة الشعبية سابقًا، وعلى مدار عام كامل – حسب الصيفي – في إزالة هذه البؤرة، إلا أن حكومة الاحتلال الحالية قامت بـ ‘شرعنتها’ لإطباق الحصار على مدينة نابلس، وقطع طرقها التواصلية مع قراها الشمالية مثل عصيرة الشمالية، وياصيد، وبيت امرين، وربط هذه البؤرة بمستوطنتي ‘حومش’ و’شافيه شمرون’.
مبالغ ضخمة لشق شبكة طرق استعمارية
الباحث المختص في شؤون الاستيطان، كشف عن رصد الاحتلال مبالغ مالية ضخمة تجاوزت المليار شيكل (منها 270 مليون دولار مخصصة حصريًا لطرق شمال نابلس وجنين)؛ لشق شبكة طرق التفاتية استعمارية ضخمة تربط البؤر الجديدة بالمستوطنات القائمة وداخل الخط الأخضر (الداخل الفلسطيني المحتل).
وحذر الصيفي من خطورة الشارع الاستيطاني الالتفافي الممتد من مستوطنة “حومش” (المقامة على أراضي برقة وسيلة الظهر) باتجاه منطقة الأغوار، مؤكدًا أن هذا المشروع سيعمل على فصل محافظتي جنين ونابلس جغرافيًا بالكامل، وعزل شمال الضفة الغربية عن منطقة الأغوار، وتقطيع أوصال القرى الفلسطينية وتحويلها إلى معازل منفصلة.
كما حذر من أن ما يجري في شمال الضفة هو تطبيق عملي لمشروع خطير يسعى لربط كافة مستوطنات الضفة الغربية بالأغوار، مستخدمًا البؤر الرعوية (التي تبدأ بقطيع أغنام وتنتهي بمستوطنة) كأداة صامتة لسرقة الأرض، مما يستدعي تفعيل المقاومة الشعبية والتصدي القانوني والسياسي لوقف هذا التغول الاستيطاني.






