في خطوة وُصفت بـ«المفصلية» في مسار ما بعد الحرب السورية، تسلم الرئيس السوري أحمد الشرع، أمس، التقرير النهائي للجنة الوطنية للتحقيق وتقصي الحقائق في أحداث مارس الماضي التي شهدتها منطقة الساحل السوري، وأسفرت عن مقتل المئات، معظمهم من المدنيين، في صدامات دموية بين قوات الأمن والمجموعات المسلحة الموالية للنظام السابق.
لجنة الحقيقة تنهي أعمالها: نتائج وتوصيات
وفقاً للبيان الصادر عن الرئاسة السورية، فإن اللجنة، التي شُكلت مطلع أبريل الماضي، أتمت أعمالها بعد أشهر من التحقيقات، وجمعت خلالها شهادات الضحايا وذويهم، واستجوبت عشرات المسؤولين والفاعلين المحليين، بالإضافة إلى تحليل وثائق وأشرطة فيديو ومعلومات استخباراتية متقاطعة.
وأكد البيان أن “اللجنة عملت في ظروف معقدة، لكن ذلك لم يمنعها من تقديم خلاصة موثقة لما حدث، بشكل يراعي المعايير القضائية وحماية الأدلة وكرامة الضحايا”.
الشرع: لا مصالحة بدون حقيقة
الرئيس أحمد الشرع اعتبر، بحسب ما نقلته مصادر مقربة من القصر الجمهوري، أن “العدالة لا تُبنى على التجاهل أو التسويات السياسية”، مؤكداً أن نتائج التقرير ستكون “موضع دراسة دقيقة”، وأن القرارات التي ستُتخذ لاحقاً ستراعي “عدم تكرار الانتهاكات، وترسيخ دولة القانون والمؤسسات”.
وأضاف الشرع: «لا يمكن لسوريا الجديدة أن تُبنى على أنقاض ذاكرة ممزقة وحقوق منسية. إحقاق الحق واجب وطني، لا خيار سياسي».
من يقف خلف مجازر الساحل؟
أحداث مارس التي هزت الساحل السوري كانت من أكثر الفصول دموية بعد انتهاء الحرب الكبرى، حيث اندلعت مواجهات حادة في مدن مثل جبلة وبانياس وطرطوس، بين قوات الأمن التابعة للسلطات الجديدة وعناصر مسلحة موالية للرئيس السابق بشار الأسد، على خلفية تفكيك شبكات تهريب وسلاح وأموال.
وذكرت مصادر حقوقية أن بعض تلك العناصر تمركزت في أحياء سكنية واستخدمت المدنيين دروعاً بشرية، ما أدى إلى ارتفاع حصيلة القتلى، والتي تجاوزت 300 شخص، بحسب أرقام غير رسمية.
المؤتمر الصحافي المرتقب: هل تُكشف كل الأوراق؟
الرئاسة السورية لم تستبعد عقد مؤتمر صحافي لعرض نتائج التقرير في الفترة القريبة القادمة، في حال رأت اللجنة أن ذلك لا يتعارض مع مسار العدالة أو سرية التحقيقات. وقال البيان: “عرض نتائج التحقيق أمام الرأي العام يكرّس مبدأ الشفافية، شرط ألا يُخلّ بسير الإجراءات القضائية أو يؤثر على الشهادات”.
ويرى مراقبون أن هذا المؤتمر، إن عُقد، سيكون اختباراً حقيقياً لمدى التزام النظام الجديد بمبدأ المكاشفة والمساءلة، خصوصاً في ظل شكوك لا تزال تحوم حول تورط مسؤولين أمنيين كبار في تلك الأحداث.
انتقادات دولية ومطالب بالمحاسبة
عدد من منظمات حقوق الإنسان، وعلى رأسها “هيومن رايتس ووتش” و”العفو الدولية”، كانت قد طالبت بإجراء تحقيق محايد ومستقل، وعبّرت عن قلقها من احتمال “طمس الأدلة” أو “تحميل المسؤولية لمتّهمين ثانويين”.
لكن إعلان الرئاسة عن تلقيها التقرير رسمياً وتوجهها نحو “فحص النتائج بدقة”، أعاد بعض الأمل بإمكانية محاسبة فعلية، ولو جزئية.
هل تكون بداية العدالة الانتقالية في سوريا؟
يعتقد بعض المحللين أن هذا التقرير، وما سيترتب عليه من قرارات، قد يشكل بوابة للعدالة الانتقالية في البلاد، والتي كانت مطلباً دائماً للضحايا وذويهم وللقوى المدنية.
ويؤكد الباحث السياسي رامي كنعان أن “ما بعد التقرير ليس كما قبله، فإن وُضعت التوصيات موضع تنفيذ، قد نكون أمام أول اختبار فعلي للدولة السورية الجديدة في احترامها لدماء مواطنيها، بعيداً عن اعتبارات الولاء أو الحسابات الأمنية”.
الطريق ما زال طويلاً
رغم تسلم التقرير، فإن الطريق نحو كشف الحقيقة كاملة ومحاسبة المتورطين لا يزال طويلاً، ومعقداً، ويتطلب شجاعة سياسية وشفافية قانونية غير مسبوقة.
لكن، وكما جاء في بيان الرئاسة: «لا مستقبل لسوريا إلا إذا كان محمولاً على أكتاف العدالة، لا على أنقاض الصمت».






