المبادرة الجديدة التي طرحها رئيس حزب «كاحول لافان» ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق بيني غانتس، تحت عنوان «حكومة افتداء الأسرى»، تعكس حالة المأزق السياسي العميق الذي تعيشه إسرائيل منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023.
انتخابات مبكرة
المبادرة تبدو محاولة لإعادة صياغة المشهد السياسي عبر فتح الباب أمام حكومة وحدة محدودة الصلاحيات والزمن، تركّز على قضيتين أساسيتين: استعادة الأسرى الإسرائيليين من غزة، وسن قانون متفق عليه لتجنيد الحريديم «اليهود المتزمتين دينياً».
غانتس قدّم المبادرة باعتبارها خياراً مؤقتاً يستمر لستة أشهر فقط، على أن تُختتم بانتخابات مبكرة في ربيع 2026، وهي صيغة حاول من خلالها الجمع بين هدفين: معالجة الأزمة الإنسانية المرتبطة بالمختطفين، ومنح الجيش وقوات الاحتياط فرصة لالتقاط الأنفاس، وفي الوقت نفسه الإبقاء على المسار الديمقراطي الذي يُنهي ولاية بنيامين نتنياهو عبر صناديق الاقتراع وليس من خلال إسقاط حكومي مباشر. لكن رغم الطابع الإنساني للمبادرة، فإنها لم تنجُ من تفسيرات سياسية حادة داخل معسكر المعارضة والحكومة على حد سواء.
تخفيف الضغط الشعبي
في معسكر المعارضة، اعتُبرت دعوة غانتس خطوة تُضعف وحدة صف المعارضين لنتنياهو. يائير لبيد وأفيغدور ليبرمان وجدا في المبادرة تنازلاً يتيح لنتنياهو إعادة إنتاج نفسه، معتبرين أنها تضرب الأساس الذي بُنيت عليه المعارضة منذ أشهر طويلة، أي الضغط المتواصل وصولاً إلى انتخابات مبكرة تُخرج نتنياهو وحلفاءه من الحكم. ليبرمان ذهب أبعد من ذلك حين وصف الأمر بـ«التضليل»، مشدداً على أن قضية الأسرى «إنسانية وأخلاقية» لا يجوز ربطها بصفقات سياسية.
أما في صفوف «الليكود»، فقد بدا التعامل أكثر براغماتية، إذ رحّبوا بعودة غانتس ولكن بشروط واضحة: أولها استبعاده لشركائه من المعارضة، وتحديداً لبيد وليبرمان، وثانيها رفض تعجيل الانتخابات، بحيث تبقى في موعدها المقرر بأكتوبر 2026. هذا الموقف يعكس رغبة نتنياهو في استغلال الانفتاح الظاهر من غانتس لكسب الوقت، وتخفيف الضغط الشعبي والاحتجاجات المتصاعدة في الشارع، من دون أن يُلزم نفسه بخطوات تهدد بقاءه السياسي.
تصاعد الاحتجاجات
في المقابل، شن التيار الأكثر تطرفاً في الحكومة، ممثلاً بإيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، هجوماً مباشراً على المبادرة، واعتبرها تهديداً لسياسة «النصر المطلق» في الحرب. هؤلاء يرون أن أي صيغة وسطية أو مؤقتة ستُفسَّر على أنها تنازل أمام حماس، ما يتناقض مع أجندتهم القائمة على الاستمرار في العمليات العسكرية بلا هوادة.
إقليمياً ودولياً، لا يمكن إغفال أن المبادرة ليست وليدة اللحظة، إذ كانت إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن أول من طرح فكرة مشابهة لإقامة حكومة وحدة مؤقتة، بغرض تقليص نفوذ وزراء اليمين المتطرف. الجديد هو أن غانتس حاول الآن إعادة تدويرها في ظل تزايد الضغوط الداخلية، خصوصاً مع تصاعد احتجاجات عائلات الأسرى في تل أبيب ومدن أخرى. ومن اللافت أن إدارة الرئيس الحالي دونالد ترامب عادت للترويج للفكرة ذاتها باعتبارها خشبة إنقاذ لنتنياهو، في تكرار لسياسة واشنطن في الحفاظ على استقرار الحكومة الإسرائيلية ولو على حساب التوازنات الداخلية.
فشل حكومة نتنياهو
في جوهرها، تبدو مبادرة غانتس محاولة للهروب من مأزق تآكل شعبيته أيضاً. فالرجل الذي دخل حكومة نتنياهو السابقة بعد 7 أكتوبر تحت شعار «الوحدة الوطنية» وجد نفسه لاحقاً متهماً بإنقاذ نتنياهو سياسياً، وهو اليوم يحاول استعادة صورته كشخصية «مسؤولة» تقدم حلولاً وسطية. لكن خصومه يرون في خطوته مجرد مناورة لتحسين مكانته على حساب وحدة المعارضة.
تحمل «حكومة افتداء الأسرى» تحمل في طياتها إقراراً بفشل الحكومة الحالية في معالجة ملف المختطفين وإدارة الحرب، لكنها في الوقت ذاته تكشف عمق الانقسام داخل الطيف السياسي الإسرائيلي بين من يريد إطاحة نتنياهو بأي ثمن، ومن يفضّل القبول بتسويات مؤقتة تحفظ الاستقرار الداخلي. وحتى الآن، لا يبدو أن المبادرة ستتحول إلى واقع، لكنها تفتح الباب أمام مزيد من التجاذبات التي قد تحدد ملامح المرحلة المقبلة، خصوصاً مع استمرار الضغط الشعبي واتساع المطالبة بانتخابات مبكرة كطريق وحيد للتغيير.




