أطلقت حركة حماس نداءً جديدًا دعت فيه قادة الدول العربية والإسلامية إلى اتخاذ ما وصفته بـ”موقف تاريخي” لإنهاء الحصار والمجاعة، منتقدة بشدة ما اعتبرته “صمتًا رسميًا” تجاه المأساة المستمرة منذ شهور.
لكن، ورغم صحة هذا التوصيف في توصيف المعاناة، إلا أن البيان يتغافل عن مسؤولية الحركة السياسية والأمنية في وصول الأمور إلى هذا الانهيار، عبر اندفاعها في مغامرة عسكرية غير محسوبة كانت كلفتها باهظة على شعب محاصر منذ أكثر من 17 عامًا.
حماس، التي دعت إلى تفعيل قرارات قمة الرياض الإسلامية وقطع العلاقات مع إسرائيل، وصفت الأوضاع في القطاع بأنها بلغت مراحل غير مسبوقة من المجاعة وسوء التغذية، مشيرة إلى سقوط أكثر من 100 شهيد بسبب الجوع أو بنيران الاحتلال عند نقاط توزيع المساعدات.
كما حمّلت حكومة الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن تفشي سياسة التجويع المتعمد، لا سيما بعد إغلاق المعابر بالكامل منذ الثاني من مارس الماضي، ورفضها تنفيذ أي اتفاق لوقف إطلاق النار أو تبادل الأسرى.
وفي هذا السياق، لا يمكن إنكار أن إسرائيل تنتهج سياسة عقابية ممنهجة تجاه أكثر من مليوني إنسان، تتجاوز في قسوتها قوانين الحرب وأوامر المحكمة الدولية، وتحوّل شاحنات الإغاثة المتكدسة على الحدود إلى مجرد أدوات ضغط سياسي على حساب أرواح المدنيين.
لكن من ناحية أخرى، يفتقر بيان حماس إلى الاعتراف بالدور الذي لعبته في تفجير الأزمة. فالهجوم الذي شنته الحركة في 7 أكتوبر، ورغم ما حمله من بعد رمزي وميداني ضد الاحتلال، جاء في توقيت حساس وبغياب استراتيجية سياسية واقعية، مما أسفر عن حرب إبادة مفتوحة استخدمت فيها إسرائيل كل أدوات القتل والتدمير، في ظل ميزان قوى مختل وتواطؤ دولي.
ولا يبدو أن تحميل “الصمت العربي” كامل المسؤولية كافٍ لفهم الصورة المعقدة. فحالة الشلل التي تهيمن على مواقف العديد من الدول العربية والإسلامية، ليست ناتجة فقط عن اللامبالاة، بل عن إدراك ضمني لفشل الرهان على حماس كجهة قيادة أو تمثيل سياسي جامع للفلسطينيين.
طالبت الحركة بقطع العلاقات مع إسرائيل وطرد سفرائها، وهي دعوات وإن بدت أخلاقيًا مبررة، إلا أنها تظل إنشائية في ظل غياب خطة سياسية بديلة قادرة على تعبئة الدعم الإقليمي والدولي بشكل فعّال. وفي المقابل، لا تزال إسرائيل تتجاهل كل الدعوات الدولية وتستمر في سياسات التجويع والتطهير، مستفيدة من دعم أمريكي صريح ومن غياب رادع فعلي.
ورغم قرارات قمة الرياض العربية الإسلامية، التي دعت إلى وقف فوري لإطلاق النار، إلا أن تلك المقررات بقيت حبرًا على ورق، دون آلية تنفيذية حقيقية أو ضغوط فعلية تُجبر تل أبيب على تغيير سلوكها، أو حتى تضع حماس أمام استحقاق إعادة النظر في أدائها السياسي والعسكري.
في المحصلة، لا يبدو أن الصرخات التي تطلقها غزة قادرة وحدها على تغيير الواقع، ما لم تترافق مع مراجعات جريئة، تبدأ من الداخل الفلسطيني أولًا، وتصل إلى مستوى عربي يليق بمفهوم “الموقف التاريخي” الذي طالما تم استهلاكه دون أثر يُذكر.






