تعيش منطقة إفريقيا جنوب الصحراء على وقع تحولات أمنية عميقة، تزامنت مع تسارع وتيرة انسحاب فرنسا من مواقعها العسكرية التقليدية، وما تبعه من تراجع منظومة الحماية التي ارتبطت بها منذ مرحلة ما بعد الاستقلال. هذا التحول لا يقتصر على إعادة توزيع موازين القوى، بل يفتح الباب أمام صياغة نظام أمني جديد في القارة، يتجاوز النموذج الغربي الذي ظل سائدًا لعقود طويلة.
على مدى عقود، مثّل الوجود العسكري الفرنسي مظلة حماية للعديد من الأنظمة الإفريقية، مُكرِّسًا شبكة معقدة من الروابط السياسية والأمنية التي عُرفت باسم “الفرانس أفريك”. هذه المنظومة أتاحت لباريس التمركز في عواصم إفريقية عدة، عبر اتفاقيات دفاعية ثنائية وامتيازات استراتيجية، لم تقتصر على حماية المصالح الفرنسية، بل شملت التدخل المباشر لاحتواء الأزمات والانقلابات، كما حدث في تشاد وساحل العاج. لكن هذه المظلة الأمنية التي دعمت استقرار الأنظمة المتحالفة مع باريس، أصبحت في السنوات الأخيرة موضع رفض شعبي واسع ومساءلة سياسية متصاعدة.
التحولات التي شهدتها الساحة الإفريقية، خصوصًا خلال العقدين الماضيين، أضعفت شرعية هذا الوجود العسكري. فقد تصاعد الخطاب السيادي الوطني، مدفوعًا بوعي سياسي جديد لدى الشباب والنخب المثقفة، تُرجم إلى مظاهرات حاشدة في دول مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو، رافضة استمرار القوات الفرنسية على أراضيها. وبات يُنظر إلى هذا الوجود، ليس كضامن للاستقرار، بل كامتداد لهيمنة استعمارية تُقيّد قدرة الدول الإفريقية على بناء منظومات أمنية مستقلة، خاصة في ظل فشل العمليات العسكرية الفرنسية الكبرى، مثل “سرفال” و”برخان”، في تحقيق نتائج حاسمة ضد الجماعات المسلحة.
الانسحابات المتتالية للقوات الفرنسية من القارة خلال الأعوام الأخيرة شكلت نقطة تحول حاسمة. فقد جاء خروجها من مالي في أغسطس 2022، ثم من بوركينا فاسو والنيجر وتشاد، نتيجة تراكم الضغوط الشعبية والسياسية. وفي يوليو 2025، شهدت السنغال تسليم آخر قاعدة عسكرية فرنسية، في مشهد رمزي يؤذن بانتهاء مرحلة تاريخية وبدء أخرى ذات ملامح مختلفة. هذه التطورات لم تكن مجرد قرارات عسكرية، بل تعبير عن تغيّر جوهري في المعادلات الجيوسياسية، حيث لم تعد النخب الحاكمة قادرة على تبرير استمرار الحضور الفرنسي أمام رأي عام بات أكثر تمسكًا بالسيادة الوطنية.
أمام هذا الفراغ الأمني، بدأت دول إفريقيا جنوب الصحراء في البحث عن بدائل غير غربية، عبر توسيع الشراكات مع قوى مثل روسيا وتركيا والصين، والسعي لتطوير قدرات أمنية ذاتية تعزز من استقلال القرار السيادي. غير أن هذه المساعي تصطدم بتحديات كبيرة، أبرزها ضعف التنسيق الإقليمي وقصور البنى الأمنية المشتركة، وهو ما يجعل مسار بناء نظام أمني بديل مهمة معقدة وطويلة الأمد.
في المحصلة، تبدو القارة أمام لحظة فارقة، حيث يتشكل نظام أمني جديد أكثر ارتباطًا بالسيادة الوطنية وتعددية الشراكات، لكنه لا يزال في طور التبلور، وسط أسئلة مفتوحة حول مدى قدرة الدول الإفريقية على ترجمة هذه التحولات إلى منظومة متماسكة تضمن الاستقرار وتواجه التحديات المتصاعدة.






