رغم التصريحات التي تصدر عن حركة “حماس” بشأن مرونتها واستعدادها للتعامل بإيجابية مع المقترحات الدولية، فإن سلوكها العملي على طاولة المفاوضات يكشف تناقضًا واضحًا بين ما يُقال في العلن وما يُمارس في الكواليس. فبينما تدّعي الحركة أنها حريصة على وقف إطلاق النار وإنهاء معاناة سكان قطاع غزة، فإن إصرارها المستمر على فرض شروط تفصيلية – في توقيتات حرجة – يُلقي بظلال من الشك على جدية نواياها، بل ويكاد يشير إلى رغبة ضمنية في إطالة أمد الأزمة لتحقيق مكاسب سياسية.
مماطلة حماس
رد “حماس” الأخير على المقترحات المطروحة، والذي وصفه المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف بأنه مؤشر على عدم الرغبة في الوصول إلى اتفاق، يعكس من جديد أزمة الخطاب المزدوج الذي تتبناه الحركة، حيث لا تزال تتعاطى مع المفاوضات من منطلق المناورة السياسية لا المسؤولية الوطنية. وبينما يتحدث مسؤولوها عن “إيجابية” و”مرونة”، تتكشف في الوقت نفسه مواقف ومطالب تعجيزية في ما يخص خرائط الانسحاب، وضمانات مستقبلية، وصيغ دقيقة لتبادل الأسرى، وهي ملفات شائكة من الطبيعي أن تأخذ وقتًا، لكن ربط أي تقدم فوري بها – في ظل مجاعة وموت يومي في غزة – يُظهر اختلالًا في الأولويات، ويثير تساؤلات حول مدى إدراك الحركة لحجم الكارثة الإنسانية.
تصريحات ويتكوف، وإن وُصفت من قبل “حماس” بأنها “لكمة للوسطاء”، فإنها في الحقيقة تعبّر عن تململ دولي حقيقي من استمرار مراوحة المفاوضات مكانها. ويبدو أن إدارة ترامب، رغم دعمها المستمر لحل دبلوماسي، بدأت تفقد صبرها أمام مماطلة أطراف – من بينها “حماس” – في اتخاذ خطوات واضحة نحو هدنة إنسانية، حتى وإن كانت مؤقتة.
كارثة إنسانية مستعصية
الواقع على الأرض في غزة لا يحتمل مزيدًا من الانتظار. فبينما يستمر القصف، ويتفاقم الجوع، وتنهار البنية التحتية، تُظهر “حماس” تمسكًا بتفاصيل تفاوضية ربما تصلح لتكون موضوعًا لنقاشات في أوقات سلم، لا في ظل كارثة إنسانية مستعصية. وإذا كانت الحركة ترى أن لها الحق في تحسين شروط أي اتفاق مستقبلي، فإن المنطق الإنساني – بل والسياسي – كان يفرض تقديم تنازلات عاجلة تنقذ أرواحًا وتفتح الباب أمام مسار سياسي يمكن البناء عليه لاحقًا.
البيانات التي تصدرها “حماس” وتُظهر فيها استغرابها من تصريحات أميركية أو تحامل دولي، تبدو محاولة مكشوفة للتنصل من المسؤولية، وخلق صورة الضحية المُحاصرة سياسيًا، لا الطرف الذي يُعيق الحلول. إذ من الواضح أن الوسطاء – سواء القطريين أو المصريين – يواصلون جهودهم في تقريب وجهات النظر، بل إنهم أعربوا عن ارتياح نسبي لموقف الحركة. لكن مجرّد مغادرة الوفد الإسرائيلي وعدم الوصول إلى اتفاق عملي رغم هذا “الارتياح” يُظهر أن المشكلة أعمق، وأن التفاهمات تصطدم بشروط لم تكن مطروحة على الطاولة في بادئ الأمر، وهو ما يضعف الثقة في مرونة الحركة المعلنة.
حماس مسؤولة عن انهيار غزة
إن إصرار “حماس” على تقليب كل بند تفاوضي بأقصى درجات الحذر والحسابات، وكأنها تتفاوض على اتفاق سياسي طويل الأمد لا على وقف فوري للنار، يجعل من المفاوضات أداة تأجيل للكارثة لا وسيلة لحلها. وفي ظل هذا الجمود، لا مفر من القول إن استمرار هذه المواقف يزيد من عزلة الحركة، ويحمّلها قسطًا كبيرًا من المسؤولية التاريخية عمّا يحدث في غزة من انهيار إنساني غير مسبوق.






