في الوقت الذي تستمر فيه آلة الحرب الإسرائيلية بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية في قطاع غزة، تجد حكومة بنيامين نتنياهو نفسها في مواجهة ضغط متزايد من جهة داخلية لم تعد تقبل بالخطاب الرسمي المراوغ: عائلات الأسرى الإسرائيليين المحتجزين لدى المقاومة الفلسطينية. هؤلاء الذين لطالما وُصفوا في الخطاب الإسرائيلي بأنهم “قضية وطنية جامعة”، باتوا اليوم أحد أبرز الأصوات المناوئة لاستمرار الحرب، ليس بدافع التعاطف مع الفلسطينيين، بل لحسابات تتعلق بمصير أحبّائهم، لكن وقع صراخهم بدأ يكشف هشاشة ما يُوصف بـ”الإجماع الإسرائيلي” حول الحرب.
اتهامات مباشرة لحكومة نتنياهو
يُعبّر بيان عائلات الأسرى الأخير عن نقطة تحول لافتة في الموقف الشعبي لبعض الفئات داخل إسرائيل. اللغة لم تَعُد دبلوماسية، ولا حتى مترددة. العائلات باتت تتحدث عن “الهلع”، وتُوجّه اتهامات مباشرة لحكومة نتنياهو بأنها تضحّي بأبنائهم خدمةً لمصالح سياسية، ورغبة في البقاء السياسي، وإرضاءً للتيارات اليمينية المتطرفة. وفي الوقت الذي تصدر فيه أوامر إخلاء لسكان دير البلح إيذانًا بتوسيع القتال إلى مناطق لم تُستهدف ميدانيًا من قبل، تسأل العائلات: من يضمن أن هذه العمليات لن تودي بحياة الأسرى كما حدث في السابق؟ ذلك السؤال، في ذاته، يلخص انفصال القرار السياسي عن المصلحة الفعلية للمجتمع الإسرائيلي.
الحديث عن “الدعاية الكاذبة” و”وعود الحكومة الفارغة” لا يعكس فقط شعورًا بالخيانة لدى هذه العائلات، بل أيضًا انهيار الثقة في المسار العسكري كوسيلة لاستعادة الأسرى. العائلات تُعيد طرح مطلب قديم متجدد: اتفاق شامل، وإنهاء القتال. هذا الموقف يُضعف الحجة الرسمية بأن العمليات العسكرية تخدم “أمن إسرائيل” أو تُقرب موعد استعادة الجنود والمحتجزين. وعلى العكس من ذلك، يكشف أن العمليات قد تجرّ مأساة جديدة، كتلك التي حدثت في أغسطس الماضي، عندما قُتل عدد من الأسرى بنيران الجيش نفسه.
اتهامات بالفشل والتقصير
الضغط الذي تمارسه العائلات يضع نتنياهو في زاوية حرجة؛ فاستمرار الحرب لا يحقق إنجازًا ملموسًا في ملف الأسرى، ومع كل يوم تمضي فيه العمليات دون صفقة تبادل، ترتفع أصوات الاتهام بالفشل والتقصير. وفي الوقت الذي تُبدي فيه حركة حماس استعدادًا معلنًا لإتمام صفقة شاملة تشمل الإفراج عن الأسرى الإسرائيليين مقابل وقف العدوان والانسحاب الكامل من غزة، تبدو الحكومة الإسرائيلية عاجزة عن اتخاذ القرار الحاسم، بل وتختبئ خلف تصعيد عسكري متجدد.
الواقع أن هذا الضغط الداخلي بات يُقلق المؤسسة السياسية والأمنية في إسرائيل أكثر مما تفعله تصريحات حركة حماس أو الإدانات الدولية. العائلات لم تعد ورقة عاطفية توظفها الحكومة، بل تحولت إلى فاعل ضاغط يسحب بساط الشرعية من تحت استمرار الحرب. وهذا التحول قد يكون مقدمة لمعادلة سياسية جديدة، تضع ملف الأسرى على الطاولة كشأن داخلي ملحّ، لا يمكن التغطية عليه بشعارات الأمن القومي، ولا إخفاؤه وراء دخان القصف في غزة.
إن استمرار تجاهل هذه المطالب قد ينذر بانقسام داخلي أعمق داخل المجتمع الإسرائيلي، ليس فقط بشأن الحرب، بل بشأن طبيعة الحكم ومشروعية القيادة السياسية، في ظل تزايد الخسائر وانعدام الأفق السياسي والعسكري في آن معًا.






