لم تكن المواجهة العسكرية المفتوحة وليدة لحظة عابرة في شباط/فبراير الماضي، بل هي الحلقة الأخيرة في ملحمة صراع استمرت لأكثر من سبعة عقود؛ صراعٍ بدأت فصوله الأولى في مطلع خمسينيات القرن الماضي عندما تواطأت الاستخبارات الأمريكية والبريطانية وأطاحت برئيس وزراء إيران الوطني محمد مصدّق، لتتوالى حلقات الهيمنة، والانقلابات، وحروب الوكالة، وصولاً إلى الدائرة الحمراء للقصف المباشر والاشتباك الوجودي اليوم.
1. خطايا البداية: من أزمة النفط إلى عرش الشاه (1953)
تعود جذور العداء التاريخي إلى عام 1951، حين صعد محمد مصدّق إلى السلطة مدعوماً بتفويض شعبي عارم، ليقدم على خطوة جريئة بتأميم قطاع النفط وإنهاء السيطرة المطلقة لشركة النفط الأنجلو-إيرانية. ومع رفض مصدّق الخضوع للهيمنة الغربية، دبرت وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) ونظيرتها البريطانية (MI6) في أغسطس/آب 1953 انقلاباً أطاح به، وأعاد الشاه محمد رضا بهلوي من منفاه ليتربع على عرش البلاد بقبضة حديدية وجهاز أمني مرعب (“السافاك”)، متحولاً إلى أداة لضمان تدفق النفط الغربي، وهو ما غرس في وجدان الإيرانيين قناعة راسخة بأن واشنطن هي العدو الأساسي لتطلعاتهم في الاستقلال.
2. عاصفة 1979: الثورة، السفارة، وحرب الاستنزاف
تراكم الغضب الشعبي ضد سياسات التغريب وتوقيع اتفاقية “وضع القوات” الممنوحة للحصانة الأمريكية، حتى برز الإمام روح الله الخميني صوتاً ثورياً مدوياً من منافيه في العراق فرنسا. ومع انهيار نظام الشاه في يناير/تانفيير 1979، ولدت الجمهورية الإسلامية برؤية جديدة تمزج الدين بالسياسة وتستهدف التحرر من الوصاية الأمريكية.
لم تقبل واشنطن بالنموذج الجديد، وتوجت المخاوف باحتجاز السفارة الأمريكية في طهران عقب استقبال الشاه المخلوع للعلاج. ولم تكد إيران تخرج من أزمة الرهائن حتى وجدت نفسها في حرب طاحنة مع العراق (1980-1988) رأت فيها طهران حرباً أمريكية بالوكالة. ومن رحم تلك المحرقة، خرج الحرس الثوري وتشكبت عقيدة الأمن القومي الإيرانية القائمة على الاكتفاء الذاتي والالتفاف على العقوبات مهما كانت التكلفة.

3. الملف النووي وهندسة الابتزاز الإسرائيلي
مع إغلاق باب الاعتماد الكلي على الخارج، اتجهت طهران نحو برنامجها النووي، الذي تحول عام 2002 إلى فتيل لخصومة عسكرية سافرة بعد اكتشاف منشأة نطنز. وبينما قاد الرئيس الأسبق باراك أوباما جهوداً دبلوماسية أثمرت عن الاتفاق النووي عام 2015، جاء دونالد ترمب في دورته الأولى ليوجه ضربة قاضية للاتفاق بالانسحاب منه عام 2018، تلتها عملية اغتيال الجنرال قاسم سليماني عام 2020.
لكن نقطة التحول الكبرى انطلقت مع أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023؛ حيث وجدت إسرائيل في نفسها دافعاً وجودياً لتدمير أي تهديد إقليمي محتمل، فقصفت المجمع الدبلوماسي في دمشق، واغتيست قادة الصف الأول من حلفائها، وصولاً إلى تفكيك شبكة الإسناد الإقليمي من لبنان إلى غزة وسوريا، ضاغطة بلا هوادة لدفع واشنطن إلى مواجهة مباشرة مع طهران.
4. الانهيار الكبير: مذكرة الـ 19 يوماً وسقوط أوهام الحسم
توجت الضغوط الإسرائيلية بدخول واشنطن أتون المواجهة العسكرية المباشرة في يونيو/حزيران 2025 عبر عملية “مطرقة منتصف الليل”، تلتها جولات من المفاوضات السرية في سلطنة عُمان انتهت بتوقيع مذكرة تفاهم هشة في 17 يونيو/حزيران 2026. غير أن هذا السلام الموعود لم يصمد سوى 19 يوماً قبل أن ينهار كلياً تحت وطأة حسابات سياسية خاطئة، ورهان ترمب المتهور على هشاشة النظام الداخلي في إيران.
اليوم، وتحت قيادة المرشد الجديد مجتبى خامنئي، أثبتت إيران قدرتها على الصمود أمام أعتى القوى العظمى؛ فصواريخها ومسيّراتها أربكت الحسابات الإسرائيلية، وإحكام قبضتها على مضيق هرمز أعاد تذكير العالم بأن عزل طهران دونه تكاليف باهظة تمس عصب الاقتصاد العالمي بأسره، لتستمر حرب الأجيال المفتوحة على حافة الهاوية.






