رفعت وكالة موديز للتصنيف الائتماني، يوم الجمعة، تصنيف تركيا الائتماني من B1 إلى Ba3، في خطوة فاجأت المراقبين وأعادت تسليط الضوء على تحولات السياسة النقدية في أنقرة، مشيرة إلى تحسن ملموس في الثقة الاقتصادية وتراجع مستويات التضخم، وسط عودة حذرة إلى السياسات التقليدية بعد سنوات من النهج غير الأرثوذكسي.
الوكالة عدّلت أيضًا النظرة المستقبلية لتركيا من إيجابية إلى مستقرة، معتبرة أن هذا التوازن يعكس تقدّماً فعلياً في الإصلاحات الاقتصادية، لكنه لا يخلو من مخاطر سياسية وجيوسياسية ما تزال تلقي بظلالها على المسار الاقتصادي.
لماذا هذا القرار الآن؟
جاء قرار موديز بعد يوم واحد فقط من إعلان البنك المركزي التركي خفض سعر الفائدة الأساسي بمقدار 300 نقطة أساس، ليصل إلى 43%، متجاوزاً بذلك توقعات السوق. هذا الإجراء الذي استأنف دورة التيسير النقدي التي توقفت مؤقتاً في ظل أزمات داخلية، يمثل رسالة واضحة من أنقرة على مضيها قدماً نحو الاستقرار النقدي.
وتقول موديز في بيانها:
“الرفع يعكس سجلًا متصاعدًا من صناع السياسات النشطين، وخاصة التزام البنك المركزي بسياسة نقدية تساهم في خفض الضغوط التضخمية بشكل دائم.”
خلفية مشحونة… وتحولات جذرية
منذ إعادة انتخاب الرئيس رجب طيب أردوغان في عام 2023، بدا أن تركيا دخلت في مرحلة جديدة على الصعيد الاقتصادي، مع انتهاج البنك المركزي سياسة أكثر تقليدية تقوم على رفع معدلات الفائدة وكبح الائتمان، في محاولة للجم التضخم ودعم استقرار الليرة التركية.
ورغم استمرار التضخم بمستويات مرتفعة نسبياً، إلا أن المؤشرات أظهرت تحسناً تدريجياً: فقد تراجع معدل التضخم السنوي من 72% في يونيو 2023 إلى 35% في يونيو 2025، بحسب البيانات الرسمية.
هل فقدت الأسواق ثقتها سابقاً؟
شهد شهر مارس الماضي توتراً كبيراً في الأسواق التركية على خلفية اعتقال رئيس بلدية إسطنبول المعارض أكرم إمام أوغلو، ما فُسر على نطاق واسع كتهديد للانفتاح السياسي وأدى إلى رد فعل سريع من البنك المركزي تمثل في رفع طارئ لأسعار الفائدة واستنزاف احتياطات العملات الأجنبية.
لكن بعد هذا الارتباك، استأنفت السلطات مسارها في كبح التضخم، ما ساعد في استعادة بعض من الثقة المفقودة في السياسات الاقتصادية.
التضخم… إلى أين؟
توقعت السلطات النقدية في تركيا أن يهبط معدل التضخم إلى 24% بنهاية عام 2025، ثم إلى 12% في نهاية 2026، في ظل استمرار البنك المركزي في اتخاذ خطوات محسوبة نحو الوصول إلى هدف 5% على المدى المتوسط.
هل التصنيف الجديد كافٍ؟
رغم أن تصنيف Ba3 لا يزال أقل من درجة الاستثمار، إلا أنه يحمل إشارات واضحة إلى تحسن الجدارة الائتمانية لتركيا، وهو ما يمكن أن يفتح آفاقاً جديدة أمام استقطاب الاستثمارات الأجنبية وتخفيف الضغوط على الليرة.
ومع ذلك، يبقى الرهان الأكبر على قدرة المؤسسات التركية على مواصلة الالتزام بهذا النهج الاقتصادي، رغم التحديات السياسية الداخلية والتوترات الإقليمية التي لا تزال تهدد حالة “الهدوء الاقتصادي الحذر”.






