رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، لم تشهد غزة التحوّل المنتظر من مشهد الحرب إلى ملامح التهدئة الحقيقية، إذ ما زالت أصوات الغارات تتقدّم على وعود الوسطاء، ويستمر سقوط الضحايا بوتيرة تثير تساؤلات عميقة حول معنى الهدنة وحدودها.
يتحدث الأطراف عن التزام بالاتفاق، ترصد المستشفيات وصول قتلى جدد، ورغم ذلك يجد المدنيون أنفسهم عالقين بين تعريفين متناقضين: سلام يُعلن سياسيًا، وحرب تُمارس ميدانيًا. هذا التناقض لا يعكس فقط هشاشة التفاهمات الأمنية، بل يكشف أزمة أعمق تتعلق بغياب آليات الضمان والمساءلة، ويطرح سؤالًا مركزيًا يردده الغزيون يوميًا: هل وقف إطلاق النار واقع فعلي أم مجرد عنوان دبلوماسي بلا حماية؟
مئات الشهداء رغم الهدنة
واستشهد ما لا يقل عن 556 فلسطينياً في غارات إسرائيلية منذ دخول الهدنة التي توسطت فيها الولايات المتحدة حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول، من بينهم 24 شهيدًا يوم الأربعاء و30 شهيدًا يوم السبت، وفقاً لوزارة الصحة في غزة. كما قتل أربعة جنود إسرائيليين في غزة خلال الفترة نفسها، وأُصيب آخرون، بينهم جندي قال الجيش إنه أصيب بجروح خطيرة عندما فتح مسلحون النار قرب خط وقف إطلاق النار شمال غزة ليلاً. حسب كالة أسوشيتد برس.
تعثرت جوانب أخرى من الاتفاق، بما في ذلك نشر قوة أمنية دولية، ونزع سلاح حماس، وبدء إعادة إعمار غزة. وقد أثار افتتاح معبر رفح الحدودي بين غزة ومصر آمالاً في إحراز مزيد من التقدم، لكن لم يُسمح إلا لأقل من 50 شخصاً بالعبور يوم الاثنين. في أكتوبر، وبعد أشهر من المفاوضات المتعثرة، قبلت إسرائيل وحماس خطة من 20 نقطة اقترحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهدف إلى إنهاء الحرب التي أشعلتها حماس بهجومها على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023.
أطلقت حماس سراح جميع الرهائن الأحياء الذين كانت لا تزال تحتجزهم في بداية الاتفاق مقابل آلاف الأسرى الفلسطينيين الذين كانت إسرائيل تحتجزهم ورفات آخرين. لكن القضايا الأكبر التي سعى الاتفاق إلى معالجتها، بما في ذلك الإدارة المستقبلية للقطاع، قوبلت بتحفظات، ولم تقدم الولايات المتحدة أي جدول زمني محدد. حسب كالة أسوشيتد برس.
نص اتفاق وقف إطلاق النار
في غضون ذلك، تجاوزت عملية إعادة رفات الرهائن بكثير المدة الزمنية المحددة في الاتفاق، وهي 72 ساعة. ولم تسترد إسرائيل جثة الرهينة الأخير إلا الأسبوع الماضي، بعد اتهامها حماس وجماعات مسلحة أخرى بانتهاك وقف إطلاق النار لعدم إعادة جميع الجثث. وزعمت الجماعات المسلحة أنها لم تتمكن من تحديد مواقع جميع الرفات فورًا بسبب الدمار الهائل الذي خلفته الحرب، وهو ادعاء رفضته إسرائيل.
كما نصّ اتفاق وقف إطلاق النار على ضخّ فوري للمساعدات الإنسانية، بما في ذلك معدات لإزالة الأنقاض وإعادة تأهيل البنية التحتية. وتقول الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية إنّ إيصال المساعدات إلى مليوني فلسطيني في غزة لم يصل إلى العدد المطلوب بسبب مشاكل التخليص الجمركي وتأخيرات أخرى. وقد وصفت وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق (COGAT)، وهي الهيئة العسكرية الإسرائيلية المسؤولة عن الإشراف على المساعدات في غزة، مزاعم الأمم المتحدة بأنها “مجرد كذب”.
يؤكد الطرفان أن الاتفاق لا يزال ساري المفعول، ويستخدمان مصطلح “وقف إطلاق النار” في اتصالاتهما. لكن إسرائيل تتهم مقاتلي حماس بالعمل خارج خط الهدنة الذي يقسم غزة إلى نصفين، وتهديد قواتها، وإطلاق النار من حين لآخر، بينما تتهم حماس القوات الإسرائيلية بإطلاق النار وشن غارات على مناطق سكنية بعيدة عن خط الهدنة.
الاحتلال بشنّ غارات مميتة
دعا الفلسطينيون الوسطاء الأمريكيين والعرب إلى حث إسرائيل على وقف شنّ غارات مميتة، غالباً ما تسفر عن مقتل مدنيين. وكان من بين القتلى يوم الأربعاء خمسة أطفال، بينهم رضيعان. ووصفت حركة حماس، التي تتهم إسرائيل بمئات الانتهاكات، هذه الغارات بأنها “تحايل خطير على اتفاق وقف إطلاق النار”.
في بيان مشترك صدر يوم الأحد، أدانت ثماني دول عربية وإسلامية تصرفات إسرائيل منذ دخول الاتفاق حيز التنفيذ، وحثت جميع الأطراف على ضبط النفس “للحفاظ على وقف إطلاق النار ودعمه”. حسب كالة أسوشيتد برس.
أظهرت عودة رفات الرهينة الأخير، والفتح المحدود لمعبر رفح، وتعيين لجنة فلسطينية لإدارة غزة والإشراف على إعادة إعمارها، رغبة في المضي قدماً في الاتفاق على الرغم من العنف. في الشهر الماضي، قال المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، الذي لعب دوراً رئيسياً في التوسط في الهدنة، إن الوقت قد حان “للانتقال من وقف إطلاق النار إلى نزع السلاح، والحكم التكنوقراطي، وإعادة الإعمار”.





