أطلق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي “UNDP” بالشراكة مع وزارة العدل والهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، مبادرة جديدة بعنوان “تعزيز أطر الأعمال التجارية وحقوق الإنسان في فلسطين” (SBHRP)، في ورشة عمل عُقدت في رام الله بمشاركة رسمية ومؤسساتية واسعة. المبادرة التي تستمر فعالياتها ليومين، لا تُعد مجرد نشاط بروتوكولي، بل تمثل خطوة نوعية لإعادة ربط التنمية الاقتصادية الفلسطينية بمفهوم حقوق الإنسان، في وقت يواجه فيه الاقتصاد المحلي هشاشة غير مسبوقة نتيجة الاحتلال والأزمات البنيوية الداخلية.
سيادة القانون
الورشة ركزت على المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة الخاصة بالعلاقة بين الأعمال وحقوق الإنسان، والتي تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2011، باعتبارها إطارًا معياريًا يربط بين النمو الاقتصادي وحماية الحقوق الأساسية للإنسان. أهمية هذه المبادرة تكمن في محاولة مواءمة القوانين والسياسات الفلسطينية مع هذه المبادئ، ما يعكس توجهًا استراتيجيًا نحو بناء بيئة اقتصادية مسؤولة قادرة على استقطاب الاستثمارات، وفي الوقت نفسه تحمي حقوق الفئات الضعيفة كالعمال والفقراء والمهمشين.
وزير العدل المستشار شرحبيل الزعيم شدد خلال الافتتاح على أن سيادة القانون هي الأساس لخلق بيئة جاذبة للاستثمار، حيث أن وجود منظومة قانونية عادلة يضمن حماية حقوق جميع الأطراف، من العمال إلى المستثمرين، ويشكل حلقة متكاملة تعزز الثقة بالاقتصاد الوطني. هذا الطرح يعكس إدراكًا رسميًا متزايدًا بأن الإصلاح القانوني والمؤسساتي ليس ترفًا، بل شرطًا أساسيًا لتجاوز التحديات الاقتصادية والسياسية.
ارتفاع معدلات الفقر
أما وزيرة العمل إيناس العطاري، فقد وضعت الإصبع على الجرح من خلال تأكيدها أن العلاقة بين الأعمال وحقوق الإنسان أصبحت أكثر إلحاحًا في فلسطين بسبب معدلات البطالة المرتفعة التي بلغت 52%، وارتفاع معدلات الفقر التي طالت شرائح واسعة من المجتمع. حديثها أبرز الدور المحوري لوزارة العمل في ضمان علاقات عمل عادلة، وتوفير بيئة عمل آمنة تلتزم بالحد الأدنى للأجور، بما يعزز فرص التشغيل اللائق ويحد من الانتهاكات التي يتعرض لها العمال.
من جهته، تناول رئيس الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، الدكتور عمار دويك، زاوية أكثر عمقًا، مشيرًا إلى أن الانتهاكات التي قد تصدر عن الشركات أحيانًا قد تكون أخطر من تلك التي ترتكبها الدول، خاصة مع توسع نفوذ القطاع الخاص في حياة الأفراد. واستشهد بتجربة منصات التواصل الاجتماعي وما تسببه من انتهاكات للخصوصية وحجب للمحتوى، باعتبارها نموذجًا واضحًا على التأثير المتعاظم للشركات في الحياة العامة، وهو ما يبرز الحاجة إلى أطر رقابية ومعايير ملزمة تحمي حقوق المواطنين.
تحول نوعي في بيئة الأعمال الفلسطينية
المبادرة إذن ليست مجرد ورشة حوارية، بل منصة لتفكير مشترك وصياغة حلول عملية تخلق إطارًا وطنيًا متينًا يربط بين التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. فهي تحاول إعادة تعريف التنمية ليس باعتبارها مجرد نمو في الأرقام والمؤشرات، بل كعملية شاملة تقوم على احترام الحقوق وتعزيز صمود المجتمع. وإذا ما نُفذت التوصيات التي ستخرج بها هذه المبادرة، يمكن أن تشكل بداية لتحول نوعي في بيئة الأعمال الفلسطينية، بحيث تصبح أكثر استدامة ومسؤولية وتلعب دورًا في دعم الصمود الوطني في مواجهة التحديات المركبة التي يفرضها الاحتلال.





