في كل مرة يتصاعد فيها التوتر مع إيران، تعود دول مجلس التعاون الخليجي إلى الواجهة، كما حدث في اجتماع جدة الأخير. خطاب التضامن كان واضحًا، والرسائل السياسية بدت متماسكة، خصوصًا مع التأكيد أن أي استهداف لدولة عضو يُعد استهدافًا للجميع. لكن خلف هذا المشهد المنظم، تظل التعقيدات القديمة حاضرة، بل وأكثر تأثيرًا مما يظهر في البيانات الرسمية.
وحدة تُصنع تحت الضغط
منذ تأسيس مجلس التعاون الخليجي عام 1981، لم تكن فكرة التنسيق بين دوله مجرد خيار سياسي، بل استجابة مباشرة لمخاوف أمنية، في مقدمتها التحولات التي أعقبت الثورة الإيرانية. ومع مرور العقود، تكرّس نمط واضح: كلما ارتفع منسوب التهديد، اقتربت المواقف، على الأقل في العلن.
هذا ما يفسر سرعة التوافق في الأزمات، كما حدث مؤخرًا، حيث أعاد التصعيد مع طهران إنتاج خطاب جماعي يوحي بصلابة الجبهة الخليجية، حتى وإن كانت هذه الصلابة ظرفية.
جذور القلق… وتباين المقاربات
التحدي الإيراني لم يكن يومًا واحدًا في نظر دول الخليج. فبينما تنظر بعض العواصم إليه كتهديد مباشر يتطلب الاحتواء، تفضّل أخرى إدارة العلاقة عبر التهدئة والانفتاح. هذا التباين ليس جديدًا، بل يمتد إلى اختلافات أعمق تتعلق بالأولويات الوطنية، وطبيعة التهديدات الداخلية، والعلاقة مع القوى الكبرى.
فعلى سبيل المثال، تميل بعض الدول إلى الاعتماد بشكل أكبر على المظلة الأمنية الأميركية، فيما تحافظ أخرى على هامش مناورة أوسع، سواء عبر الوساطة أو عبر بناء قنوات تواصل مباشرة مع طهران.
من التنسيق إلى التنافس الصامت
رغم وجود إطار مؤسسي يجمع هذه الدول، إلا أن التجربة أثبتت أن التنسيق لا يعني بالضرورة توحيد الاستراتيجية. خلال محطات مفصلية — من الحرب العراقية الإيرانية إلى أزمة قطر 2017 — ظهرت بوضوح حدود العمل الجماعي، حيث فضّلت كل دولة إدارة مصالحها وفق حساباتها الخاصة.
حتى في الملفات الأحدث، مثل العلاقات مع إسرائيل أو إدارة أسواق الطاقة، برزت خيارات متباينة تعكس استقلالية القرار أكثر مما تعكس وحدة الموقف.
إيران كعامل توحيد… ومصدر انقسام
المفارقة أن إيران نفسها تؤدي دورًا مزدوجًا في المعادلة الخليجية. فهي من جهة تمثل العامل الأبرز الذي يدفع نحو التماسك السياسي عند الأزمات، ومن جهة أخرى تكشف الفوارق بين الدول في كيفية التعامل معها.
هذا التناقض يسمح بوجود قنوات متعددة للتواصل مع طهران، لكنه في الوقت نفسه يجعل من الصعب بلورة سياسة موحدة طويلة الأمد، خاصة عندما تتباين تقديرات المخاطر بين دولة وأخرى.
مشهد يتكرر بصيغ مختلفة
ما حدث في جدة ليس استثناءً بقدر ما هو امتداد لنمط يتكرر منذ عقود: توافق في الخطاب، وتباين في العمق. تبدو الدول الست كأنها تتحرك ضمن إطار واحد، لكنها في الواقع تحتفظ بمسارات متوازية، تتقاطع أحيانًا وتتباعد أحيانًا أخرى.
هذا التعايش بين الوحدة والانقسام لا يُضعف المجلس بقدر ما يعكس طبيعته الحقيقية كمنصة مرنة، قادرة على استيعاب التناقضات بدل إلغائها. وربما في هذا تحديدًا يكمن سر استمراريته، حتى في أكثر المراحل اضطرابًا.




