الوضع الصحي والإنساني في قطاع غزة يمر بمرحلة غير مسبوقة من التدهور، وفق ما أكدته منظمات الأمم المتحدة، وفي مقدمتها منظمة الصحة العالمية وبرنامج الأغذية العالمي.
الدكتور ريك بيبركورن، ممثل منظمة الصحة العالمية في الأرض الفلسطينية المحتلة، وصف المشهد الصحي بأنه “كارثي”، حيث تعمل المستشفيات فوق طاقتها القصوى، بينما نفدت تماماً بعض الأدوية المنقذة للحياة، وارتفعت معدلات الوفيات الناتجة عن سوء التغذية والأمراض.
الضغط على المستشفيات يتضاعف
الأرقام التي قدمها بيبركورن تكشف حجم الأزمة، إذ إن أقل من نصف مستشفيات غزة وأقل من 38% من مراكز الرعاية الصحية الأولية تعمل، وحتى هذه المرافق المتبقية لا تقدم خدماتها إلا بشكل جزئي أو محدود للغاية. ومع وصول مخزون 52% من الأدوية و68% من المستلزمات الطبية إلى الصفر، يتضح أن القطاع الصحي يقترب من الانهيار الكامل.
الضغط على المستشفيات يتضاعف نتيجة الإصابات التي تحدث في مناطق توزيع الغذاء، وهو ما يشير إلى تداخل كارثتين: الأزمة الصحية وأزمة الأمن الغذائي. هذه الصورة المظلمة أكدتها أيضاً الدكتورة حنان بلخي، المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية، التي تحدثت عن “شهادات مروعة” حول تعرض موظفي المنظمة وأسرهم للإساءة أثناء الهجوم الإسرائيلي الأخير على دار ضيافة المنظمة في دير البلح، والذي تعرض للقصف ثلاث مرات قبل أن يتم إخلاؤه بالقوة وتدميره. ورغم الصدمات والعنف، يواصل العاملون في المنظمة تقديم الخدمات الصحية للمحتاجين، في ظل دعوات متكررة لحماية المدنيين والعاملين في المجال الطبي، وضمان وصول المساعدات بشكل عاجل ودون عوائق.
انهيار صحي
الأزمة لا تقتصر على القطاع الصحي، فبرنامج الأغذية العالمي حذر من أن مستويات الجوع وسوء التغذية في غزة وصلت إلى أعلى درجاتها منذ اندلاع الصراع في أكتوبر 2023. المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، أوضح أن الإمدادات الإنسانية التي تصل إلى القطاع لا تزال أقل بكثير من الحد الأدنى المطلوب، وأن الجهود الدولية لإدخال المساعدات تصطدم بتأخيرات بيروقراطية ومعوقات ميدانية، أهمها عدم وضوح مواعيد إصدار التصاريح من السلطات الإسرائيلية، ما يؤدي إلى إهدار ساعات حاسمة ويقلص من حجم الإمدادات التي يمكن إيصالها في الوقت المناسب.
من منظور تحليلي، يتبين أن الأزمة في غزة ذات طبيعة مركبة، إذ يتغذى الانهيار الصحي على أزمة الغذاء، والعكس صحيح، في ظل بيئة أمنية غير مستقرة تعيق وصول المساعدات. الوضع الحالي يقترب من شروط المجاعة وفق التعريفات الأممية، وهو ما يجعل التدخل الإنساني العاجل ضرورة وجودية، لا مجرد استجابة طارئة.
كما أن المشهد يعكس تحدياً سياسياً بقدر ما هو إنساني، إذ تعيق القرارات والإجراءات على المعابر أي إمكانية لتحقيق تدفق واسع ومستدام للمساعدات، رغم جاهزية خطط الأمم المتحدة القائمة على مبادئ الحياد والنزاهة والاستقلال. استمرار هذا النمط من العرقلة يعني أن الأزمة مرشحة للتفاقم، وأن الخسائر البشرية مرشحة للزيادة بشكل مأساوي خلال الفترة المقبلة.






