لم تكن المساعدات العسكرية الغربية لأوكرانيا تعني دائما أن الأسلحة والمعدات تصل إلى ساحة المعركة وهي جاهزة للاستخدام. فبينما ركزت كييف خلال الحرب على الحصول على مزيد من الطائرات والذخائر وأنظمة الدفاع الجوي، برزت مشكلة أخرى تتعلق بالحالة الفنية لبعض المعدات التي تصل من الخارج.
وفي هذا السياق، أثارت تصريحات دبلوماسي أوكراني بشأن طائرات ميغ-29 التي تسلمتها بلاده من بولندا جدلا حول مدى جاهزية هذه المقاتلات وقدرتها على العمل في ظروف الحرب.
وقال السفير الأوكراني لدى بولندا فاسيل بودنار، في تصريحات لإذاعة RMF FM، إن كييف واجهت عقبات فنية في التعامل مع الطائرات التي قدمتها وارسو، مشيرا إلى أن المقاتلات لم تكن قادرة على دخول العمليات القتالية بصورة مباشرة بسبب حالتها الفنية وعدم توافق بعض تجهيزاتها مع المتطلبات الحديثة.
من مقاتلات جاهزة إلى طائرات تحتاج إلى تحديث
وبحسب التقييم الذي نقله الدبلوماسي الأوكراني، خضعت الطائرات لفحوص أجراها مهندسون ومتخصصون لتحديد مدى صلاحيتها للاستخدام العملياتي.
وأظهرت عمليات الفحص، وفقا للتصريحات، الحاجة إلى إجراء أعمال تحديث وصيانة واسعة على أنظمة المقاتلات، الأمر الذي جعل الاستفادة منها في العمليات القتالية أكثر تعقيدا مما كان متوقعا.
وأشار بودنار إلى أن الخبراء خلصوا إلى أن بعض الطائرات لا يمكن استخدامها في وضعها الحالي إلا لأغراض التدريب على الطيران، في انتظار استكمال الأعمال اللازمة للوصول بها إلى مستوى يسمح باستخدامها بصورة عملياتية.
وتعكس هذه المشكلة تحديا تواجهه أوكرانيا منذ بداية الحرب، إذ لا يكفي الحصول على الطائرات أو المعدات العسكرية، بل يتطلب تشغيلها توفير قطع الغيار والكوادر الفنية والذخائر وأنظمة الصيانة والتوافق مع البنية العسكرية القائمة.
لماذا لا تكفي زيادة عدد الطائرات؟
تمثل ميغ-29 واحدة من الطائرات التي تعتمد عليها القوات الجوية الأوكرانية منذ سنوات، لكن دخولها الخدمة في ظروف الحرب يتطلب أكثر من مجرد نقلها من دولة إلى أخرى.
فالمقاتلات السوفياتية الصنع التي خدمت لفترات طويلة في دول أوروبا الشرقية تختلف في حالتها الفنية من طائرة إلى أخرى، كما أن بعض الطائرات تحتاج إلى تحديث أنظمة الملاحة والاتصالات والإلكترونيات وإجراء عمليات صيانة قبل إعادة تشغيلها.
وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل طبيعة الحرب الجوية في أوكرانيا، حيث تعمل الطائرات في بيئة شديدة الخطورة وتواجه منظومات دفاع جوي وصواريخ بعيدة ومتوسطة المدى، ما يجعل جاهزية الطائرة وأنظمتها الإلكترونية عاملا حاسما في قدرتها على تنفيذ المهام والعودة إلى القاعدة.
خسائر تضغط على سلاح الجو الأوكراني
تأتي هذه الصعوبات في وقت تواجه فيه القوات الجوية الأوكرانية ضغوطا متزايدة نتيجة استمرار الحرب والخسائر التي لحقت بأسطولها.
وفي أوائل أغسطس/آب 2026، أعلنت وزارة الدفاع الروسية إسقاط مقاتلة أوكرانية أخرى من طراز ميغ-29، في حين تواصل موسكو وكييف تقديم روايات متباينة بشأن حجم الخسائر الجوية الفعلية للطرفين.
وبالنسبة إلى أوكرانيا، فإن خسارة كل مقاتلة عاملة تصبح أكثر حساسية مع صعوبة تعويض الطائرات الجاهزة للقتال بسرعة، خصوصا أن تدريب الطيارين وتجهيز الأطقم الفنية وتوفير قطع الغيار والذخائر يحتاج إلى وقت وموارد كبيرة.
14 مقاتلة من بولندا
كانت بولندا من أوائل الدول التي قررت نقل مقاتلات ميغ-29 إلى أوكرانيا، في خطوة هدفت إلى دعم سلاح الجو الأوكراني بمقاتلات يعرف طياروه كيفية تشغيلها، بدلا من الاعتماد حصرا على الطائرات الغربية الحديثة التي تتطلب تدريبا وبنية تحتية مختلفة.
وتلقت أوكرانيا، وفقا للمعطيات الواردة، 14 مقاتلة ميغ-29 من بولندا جرى تسليمها خلال ربيع عام 2023.
لكن تجربة هذه الطائرات تكشف أن نقل المعدات العسكرية من مخزون دولة إلى أخرى لا يعني بالضرورة انتقال القدرة القتالية نفسها. فالعمر التشغيلي للطائرة، وحالتها الفنية، وتوافر قطع الغيار، ومدى تحديث أنظمتها، كلها عوامل تحدد القيمة الفعلية للمساعدة العسكرية.
معركة لا تتعلق بعدد الطائرات فقط
تكشف قصة المقاتلات البولندية جانبا آخر من الحرب الجوية في أوكرانيا. فالمعادلة لم تعد مرتبطة فقط بعدد الطائرات التي تحصل عليها كييف، وإنما بقدرتها على إبقاء هذه الطائرات في الخدمة وتوفير الصيانة والذخائر والكوادر اللازمة لها.
وبينما تسعى أوكرانيا إلى تعويض خسائرها وتعزيز قدراتها الجوية بمقاتلات غربية أكثر حداثة، تبقى الطائرات السوفياتية مثل ميغ-29 جزءا من أسطولها القتالي، لكن قيمتها العسكرية ترتبط في النهاية بمدى جاهزيتها وليس بعدد الطائرات الموجودة على الورق.
وهكذا، فإن وصول المقاتلات من بولندا شكل دعما مهما لكييف، لكنه كشف في الوقت نفسه عن مشكلة أكثر تعقيدا: امتلاك الطائرة شيء، وتحويلها إلى سلاح جاهز للقتال شيء آخر.






