قرار جيش الاحتلال وقف القصف تحت الأرض في غزة، بدعوى وجود أسرى إسرائيليين داخل الأنفاق، يكشف عن معضلة عسكرية وسياسية معقدة تواجه إسرائيل في حربها على القطاع. فمن جهة، يسعى الجيش إلى تدمير ما يسميه “البنية التحتية لحماس”، بما في ذلك شبكة الأنفاق التي تعتبرها إسرائيل العمود الفقري للقدرة القتالية للحركة. ومن جهة أخرى، تعطل مسألة الأسرى هذه العمليات، إذ يخشى الجيش أن يؤدي أي هجوم مباشر على الأنفاق إلى مقتل المحتجزين وفقدان ورقة تفاوضية استراتيجية. هذا التناقض يعكس مأزق إسرائيل بين أهدافها العسكرية وحساباتها الداخلية التي تضع قضية الأسرى في صدارة أولوياتها.
معركة استنزاف طويلة المدى
في المقابل، تستغل حماس هذه الورقة لتعزيز موقفها في المعركة، سواء عبر إعادة تأهيل الأنفاق المدمرة أو تسريع عمليات تفخيخ المباني. فالتقديرات الإسرائيلية نفسها تقر بأن الحركة نجحت في استعادة بعض مواقعها رغم آلاف الغارات التي شُنت خلال الأيام الماضية. وهنا تتضح طبيعة الحرب في مدينة غزة: معركة استنزاف طويلة المدى، حيث تواصل إسرائيل سياسة “الأرض المحروقة” عبر تدمير مئات المباني، في حين تراهن حماس على حرب المدن والاختباء في شبكة أنفاق معقدة، تجعل أي تقدم بري مكلفاً في الأرواح والمعدات.
الأرقام التي ينشرها الجيش الإسرائيلي – مثل الحديث عن تدمير أكثر من 1000 موقع واغتيال 150 قائداً ميدانياً خلال عشرة أيام – تبدو محاولة لتسويق صورة نجاح داخلي وخارجي، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن حجم الضريبة الإنسانية والبنية التحتية التي تُدفع في غزة. إذ أن قرار مهاجمة أي مبنى يُشتبه بأنه يضم بنية لحماس، كما تقر به المؤسسة العسكرية، يفتح الباب لتدمير واسع النطاق لا يفرق بين هدف عسكري ومأوى مدني. وهذا ما يفسر تدمير مئات المباني السكنية متعددة الطوابق، وتحويل المدينة إلى أنقاض كما أمر نتنياهو صراحةً.
خطر الكمائن والتفجيرات
المفارقة أن هذا النهج التدميري لا يضمن لإسرائيل نصراً سريعاً، بل يعمّق المأزق. فالتقديرات تشير إلى أن نحو عشرة آلاف مقاتل فلسطيني ما زالوا يتمركزون في أزقة المدينة الضيقة، بانتظار القوات الإسرائيلية. هؤلاء المقاتلون، بقيادة شخصيات مثل عز الدين الحداد، يعتمدون على بيئة حضرية مكتظة تجعل التفوق العسكري الإسرائيلي محدود الجدوى. كلما تقدمت القوات في الأزقة، ازداد خطر الكمائن والتفجيرات والمواجهات المباشرة، بينما تظل الأنفاق عنصراً غامضاً يعطل حسابات الجيش.
ما يحدث في غزة اليوم هو نموذج مصغر لصراع غير متكافئ: قوة عسكرية كبرى تملك تفوقاً جوياً وبحرياً وبرياً، لكنها عاجزة عن حسم المعركة بسبب طبيعة الخصم وأدواته. في المقابل، تواصل حماس استثمار الورقة الأخطر – الأسرى – لتقييد حركة الجيش، وتأكيد أن معركة غزة ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل معركة إرادات، حيث يدفع المدنيون الثمن الأكبر وسط مدينة يجري تدميرها “من جذورها”.




