رغم الضربات الأميركية والإسرائيلية المكثفة التي استهدفت البنية العسكرية الإيرانية منذ اندلاع المواجهات، تكشف التطورات الميدانية أن طهران لم تفقد قدرتها القتالية، بل أعادت توظيفها بشكل أكثر دقة ومرونة، فبينما تشير التقديرات العسكرية إلى انخفاض وتيرة الهجمات الإيرانية بنسبة كبيرة، فإن هذا التراجع الكمي لا يعكس بالضرورة ضعفاً استراتيجياً، بقدر ما يعكس تحولاً في أسلوب إدارة المعركة.
ويؤكد مراقبون أن إيران انتقلت من سياسة “الإغراق الناري” إلى “الضربات الانتقائية”، مستهدفة مواقع حساسة لإحداث تأثير أكبر بأقل عدد ممكن من الصواريخ والطائرات المسيّرة، وهو ما يعيد رسم معادلة الردع في المنطقة.
بين الرواية الأميركية والواقع الميداني
وتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب التي تحدث فيها عن “تحييد شبه كامل” للقدرات العسكرية الإيرانية، تقابلها معطيات ميدانية أكثر تعقيداً، فالجيش الأميركي نفسه يقر بانخفاض الهجمات بنسبة تصل إلى 90%، لكنه لا يؤكد تدمير الترسانة بذات النسبة.
وفي المقابل، يرى خبراء أن هذا التراجع قد يكون نتيجة إعادة تموضع تكتيكي، وليس دليلاً على انهيار القدرات. إذ تشير تحليلات مستقلة إلى أن معدلات إصابة الأهداف قد ارتفعت بشكل ملحوظ مع تقدم العمليات، ما يعكس تطوراً في دقة الضربات وليس تراجعها.
وأظهرت الهجمات الأخيرة على إسرائيل ودول الخليج أن إيران لا تزال تمتلك مخزوناً كبيراً من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، بما في ذلك طائرات “شاهد” التي تُستخدم بكثافة في العمليات بعيدة المدى.
ورغم نجاح أنظمة الدفاع الجوي في اعتراض نسبة كبيرة من هذه الهجمات، فإن الأضرار الناتجة حتى عن الشظايا أو بقايا الصواريخ تؤكد أن التهديد لا يزال قائماً، فقد سجلت إصابات وخسائر بشرية في أكثر من موقع، من تل أبيب إلى أبوظبي، ما يعكس قدرة إيران على فرض تكلفة مستمرة على خصومها.
ثغرات الدفاعات الجوية
وتمثل أحد أبرز التحولات في التكتيك الإيراني في استخدام صواريخ برؤوس عنقودية، وهي أسلحة مصممة لنشر عدد كبير من القنابل الصغيرة على نطاق واسع، وهذا النوع من الذخائر يشكل تحدياً كبيراً لأنظمة الدفاع الجوي، خاصة إذا لم يتم اعتراضه على ارتفاعات عالية.
كما أن محدودية بعض الأنظمة المتقدمة مثل “آرو 3” وارتفاع تكلفتها، يفتح الباب أمام استنزاف الدفاعات الإسرائيلية، وهو ما قد يكون جزءاً من استراتيجية إيرانية طويلة المدى تقوم على إنهاك الخصم اقتصادياً وعسكرياً.
ويرى محللون أن ما يحدث حالياً يعكس نموذجاً كلاسيكياً لما يُعرف بـ”التكيف القتالي”، حيث تتعلم الأطراف المتحاربة من مجريات المعركة وتعيد ضبط تكتيكاتها وفقاً لذلك.
فإيران، التي تعرضت لضربات موجعة طالت قيادات ومنشآت عسكرية، نجحت في الحفاظ على الحد الأدنى من قدرتها الهجومية، مع تحسين كفاءة الاستخدام، ويشير خبراء إلى أن هذا النوع من التكيف قد يكون أكثر خطورة من القدرة التقليدية، لأنه يعتمد على عنصر المفاجأة والدقة.
“مدن الصواريخ” والقدرات الخفية
وتطرح القدرة المستمرة على إطلاق الصواريخ تساؤلات حول البنية التحتية العسكرية الإيرانية، خاصة ما يتعلق بشبكات الأنفاق المعروفة بـ”مدن الصواريخ”.
ويعتقد محللون أن هذه الشبكات، إلى جانب مستودعات سرية وقواعد غير مكتشفة، تلعب دوراً محورياً في الحفاظ على القدرة العملياتية.
كما لا يُستبعد أن تكون إيران قد أعادت توزيع منصاتها ومنظوماتها بشكل يصعب تتبعه، ما يعزز قدرتها على البقاء في المعركة رغم الضربات المتكررة.
حرب محسوبة وتأثير ممتد
وتشير التطورات إلى أن إيران لم تعد بحاجة إلى إطلاق مئات الصواريخ يومياً لإحداث تأثير استراتيجي. فبعد تحقيق مستوى معين من الاضطراب في المنطقة، باتت الضربات المحدودة والدقيقة كافية للحفاظ على الضغط العسكري والنفسي.
ويعكس هذا التحول فهماً أعمق لطبيعة الصراع، حيث لم تعد الكثافة العددية هي العامل الحاسم، بل القدرة على تحقيق أهداف نوعية بتكلفة أقل.
وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن الصراع دخل مرحلة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها الحرب التقليدية مع أساليب غير متكافئة قائمة على المرونة والتكيف.
وبينما تراهن الولايات المتحدة وإسرائيل على استنزاف القدرات الإيرانية، تراهن طهران على طول النفس وإدارة الموارد بكفاءة، ما يجعل المعركة مفتوحة على سيناريوهات متعددة، قد يكون أبرزها استمرار “حرب الاستنزاف الذكية” التي لا تُحسم سريعاً، لكنها تعيد تشكيل موازين القوى تدريجياً.






