تشير نتائج الاستطلاع العالمي الذي أجراه مركز “بيو” للأبحاث إلى تحول كبير في المزاج الدولي تجاه إسرائيل، سواء من حيث المواقف الشعبية أو صورة القيادة السياسية ممثلة برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. هذا التحول ليس مجرد انطباع عابر، بل يعكس تحولات عميقة في الرأي العام العالمي لها دلالات سياسية وأخلاقية قد تؤثر على مسار الأحداث، خصوصاً في ما يتعلق بالحرب المستمرة على غزة.
ضعف شرعية نتنياهو
أول ما يلفت الانتباه في نتائج الاستطلاع هو اتساع رقعة الرفض الشعبي لإسرائيل في مختلف أنحاء العالم، حيث عبّر غالبية المشاركين في 20 من أصل 24 دولة عن آراء سلبية تجاه الدولة الإسرائيلية. هذه المعطيات تشير إلى أن صورة إسرائيل لم تعد مرتبطة فقط بصراعات جيوسياسية أو بمسائل تخص السياسات الإقليمية، بل أصبحت في نظر قطاعات واسعة من الرأي العام رمزاً لعدم التوازن، ولانتهاك حقوق الإنسان، وتكرار استخدام القوة المفرطة، خاصة بعد التصعيد المستمر في غزة وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين.
أما نتنياهو، فقد بدا جلياً أنه لم يعد يحظى بأي تأييد شعبي يُذكر خارج بعض الدول الإفريقية مثل كينيا ونيجيريا. هذه النتائج تضعف شرعيته السياسية على الساحة الدولية، وتكشف عن عزلة متنامية قد تزيد الضغط عليه داخلياً وخارجياً، لا سيما مع تزايد الانتقادات لطريقة تعامله مع الحرب، وتعثراته السياسية، وانعكاس ذلك على سمعة إسرائيل دولياً.
وقف الدعم غير المشروط لإسرائيل
من الناحية الاستراتيجية، هذه المؤشرات تشكل أداة ضغط غير مباشرة ولكنها قوية. في الأنظمة الديمقراطية، للرأي العام دور كبير في رسم السياسات الخارجية، خصوصاً إذا تحوّلت المشاعر السلبية إلى مطالبات شعبية للضغط على الحكومات لمراجعة علاقاتها أو سياساتها تجاه طرف ما. وقد بدأت بالفعل تظهر بوادر لذلك، من خلال ارتفاع الأصوات في الكونغرس الأميركي أو البرلمان البريطاني التي تطالب بوقف الدعم غير المشروط لإسرائيل، أو على الأقل بربطه باحترام القانون الدولي وحقوق الإنسان.
كما أن الدول التي تعتمد إسرائيل على دعمها الدبلوماسي والمالي قد تجد نفسها أمام ضغط داخلي من ناخبيها لإعادة النظر في هذا الدعم. هذا لا يعني أن هناك تحولاً فورياً في السياسات، لكن تراكم هذه الضغوط قد يؤدي إلى تحولات تدريجية في المواقف، مثل فرض شروط على المساعدات أو تأييد قرارات أممية تتعلق بوقف إطلاق النار أو التحقيق في الانتهاكات.
حملات المقاطعة الدولية
وفي الوقت نفسه، هذا التحول قد يمنح زخماً إضافياً لحملات المقاطعة الدولية مثل حركة BDS، ويزيد من عزلة إسرائيل على المستوى الشعبي، ما يؤثر بشكل غير مباشر على استقرارها الاقتصادي والسياسي على المدى الطويل.
إن ازدياد المشاعر السلبية تجاه إسرائيل دولياً ليس مجرد تعبير عن الغضب، بل هو مؤشر على تغيّر عميق في المنظور الأخلاقي والسياسي العالمي تجاه القضية الفلسطينية. وإذا استمرت إسرائيل في تجاهل هذا المزاج المتغير، فإنها تخاطر بفقدان الكثير من رصيدها الدولي، وهو ما يمكن أن يتحول تدريجياً إلى وسيلة ضغط حقيقية من أجل وقف الحرب على غزة، أو على الأقل كبح جماح التصعيد العسكري المتواصل.






